وسام عسكري – محمد نور
ألقى أبي وسام شرفي العسكري في طبق البطاطس المهروسة، وأخبرني بثقل أنني لست مميزاً. وبعد ساعات معدودة، وقفت ثلاث سيارات دفع رباعي سوداء أمام منزلنا—ولم يلتفت اللواء ذو النجوم الثلاث إلى أخي غير الشقيق، بل اتجه بخطوات حازمة نحوي مباشرة.
“أبعد هذا الشيء عن الطاولة.. لا أحد هنا يهتم.”
دفع أبي علبة الوسام بطرف أصابعه عبر الطاولة.
اصطدمت بحافة طبقي، وانقلبت وسط البطاطس المهروسة لتسقط مفتوحة.
لسكون ثقيل، لم ينطق أحد.
ثم أطلق أخي غير الشقيق ضحكة ساخرة.
اسمي النقيب بدر آل زاهر. ثمانية وعشرون عاماً. القوات الجوية.
عدت إلى الوطن من مهمة خارجية استمرت عشرة أشهر، ولم يمضِ على وصولي سوى أقل من ست ساعات.
داخل تلك العلبة الملطخة بالصلصة، كان يربض “وسام الخدمة المتميزة” الذي تقلّدته قبل ثلاثة أيام فقط.
اتكأ أبي إلى الخلف في كرسيه وقال: “الوسام لا يجعل منك رجلاً مميزاً يا بدر.”
ابتسمت زوجة أبي، إلهام، ابتسامة باهتة وأردفت: “يقصد ألا تجعل السهرة كلها حديثاً عن عملك.”
“أنا لم أفتح الموضوع أساساً.”
قال أبي: “لكنك وضعته على الطاولة.”
“لأنك أنت من سألني عما يوجد داخل العلبة!”
رفع جاسم كأس العصير وقال بثقة: “أبي على حق. الجميع يحصلون على أوسمة وشارات في الجيش.”
جاسم في الواحدة والثلاثين من عمره، وهو الرئيس التنفيذي لشركة “زاهر للنظم المتقدمة”.
طوال الليل وهو يشرح للحاضرين كيف أن شركته على بعد أيام قليلة من الفوز بمشروع “الحارس تسعة”—وهو عقد أمن سيبراني لصالح القوات الجوية بقيمة خمسة وأربعين مليون ريال.
كان ينتشي باهتمام الجميع واستماعهم له.
قلت ببرود: “وأنت بالطبع أدرى بهذه الأمور.”
تشنجت ابتسامته.
ضحك أبي وقال: “لا تبدأ مجدداً.. جاسم يبني ويبتكر شيئاً حقيقياً على أرض الواقع.”
مددت يدي لأخذ علبة الوسام.
لكن جاسم وضع يده عليها قبلي وقال: “اهدأ.. أريد فقط أن ألقي نظرة.”
أمسكت بمعصمه وقلت: “اتركها.”
حاول جذبها نحوه على أي حال.
تحرك كرسيّ للحديث بصوت حاد: “جاسم!”
شيء ما في نبرة صوتي جعل إلهام تتصلب في جلستها.
أفلت العلبة.
سحبت منديل الورق وبدأت بمسح البطاطس عن علبة الوسام.
هز أبي رأسه قاطماً: “دائماً تهوّل الأمور.”
عشرة أشهر بعيداً عن هذا البيت.. ونسيت كيف يمكن لمجرد دقائق فيه أن تعيدني إلى شعور طفل في السادسة عشرة.