وسام عسكري – محمد نور

تألم من كلماتي وانكمش.

“جاسم ابني يا بدر.”

“وأنا ابنك.”

“أعلم ذلك..”

“إذن تصرف على هذا الأساس.”

طأطأ رأسه ونظر إلى الأرض، ثم قال بصوت خفيض: “الوسام.. لقد شعرت بالغيرة منك.”

رمشت بذهول: “ماذا؟”

“وسامك.. خدمتك العسكرية.. لقد حققت شيئاً حقيقياً وبنيت نفسك بنفسك، صرت رجلاً يستحق الاحترام.” ثم هز رأسه وأردف: “قضيت طوال حياتي أحاول إثبات أنني شخص مهم.. بينما ذهبت أنت وفعلتها ببساطة.”

ظلت تلك الاعترافات معلقة في الهواء..

كل تلك السنوات..

كل تلك اللقاءات العائلية..

كل تلك الإهانات الصغيرة..

كلها كانت لأن أبي كان يغار من ابنه!

قلت له: “كان بإمكانك أن تسألني وتفتخر بي.. بدلاً من إلقاء وسامي في طعامي.”

ضحك ضحكة باهتة: “كان ذلك يتطلب مني الاعتراف بأنني كنت خطاءً.”

رددت: “نعم.. كان يتطلب ذلك فعلاً.”

—

سرت في الممر الحجري نحو السيارات المنتظرة.

فتح اللواء صالح باب السيارة بنفسه لي.

توقفت لحظة قبل الصعود وقلت: “سعادة اللواء.. شكراً لك.”

نظر إليّ بثبات وقال: “أنت من استحق هذا الاحترام الليلة يا نقيب.. الوقوف في وجه العائلة وأخطائها أصعب بكثير من مواجهة الأعداء في الميدان.”

نظرت إلى الوسام بين يدي وقلت: “في مجال عملنا يا أفندم.. أحياناً يكون الاثنان شيئاً واحداً.”

هز رأسه موافقاً، وانطلقنا دون أن نلتفت للوراء.

—

في وقت لاحق من تلك الليلة، جلست في مكتب هادئ داخل القاعدة العسكرية.

كانت علبة وسامي تتربع على المكتب أمامي.. لقد نظفتها جيداً، لكن بقعة زيت خفيفة ظلت عالقة في طرف المخمل الداخلي.

قررت أن أبقيها كما هي..

لتظل تذكرة دائمة..

بأن حتى الأشخاص الذين يُفترض بهم حبنا قد تؤذوننا.. وأننا رغم ذلك نملك دائماً حق اختيار قيمتنا بأنفسنا.

—

أشرق الصباح بعادة رمادية وهادئة.

وصلتني رسالة نصية من رقم غير مسجل.. كانت من مريم، المدير المالي لشركة جاسم:

أعتذر لأنني لم أكن بالشجاعة الكافية في وقت أسبق.. شكراً لك على كل ما تفعله لأجل حماية هذا الوطن.

كتبت لها مجيباً:

شكراً لكِ لأنكِ امتلكتِ الشجاعة في الوقت المناسب.

أجابت:

سأقدم استقالتي هذا الصباح.. لا أستطيع العمل مع أشخاص يمارسون الخداع.

تفكرت في أمرها.. وفي الشجاعة التي تطلبها الإقدام على تلك الخطوة.

وأدركت حقيقة صريحة: العالم لا يحتاج لمزيد من الأشخاص الذين يخفون قوتهم ويسكتون عن الحق، بل يحتاج إلى من يستخدمونها لإعلاء كلمة الحق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *