وسام عسكري – محمد نور

انهارت ملامح وجهه وانكسرت: “لم أكن أظن أن أمري سيكشف.”

“لكنه كُشف.”

نظر إلى الأرض بانكسار: “أردت فقط أن أثبت أنني قادر على النجاح.. أنني كفء وبحجم التطلعات.”

“كفء في نظر من؟”

سرق نظرة سريعة نحو أبي.. وفي تلك اللحظة بالذات، فهمت كل شيء.

—

أبي هو من صنع هذا الوحش..

ليس بهدف الاحتيال على الدولة بشكل مباشر، بل لأنه كان يضغط على جاسم طوال حياته.

يدفعه ليكون الأكبر، والأفضل، والأثرى بين الجميع.

يدفعه لسلوك الطرق المختصرة، وكسر القواعد، وإسكات صوت الضمير.

أبي هو من شكل شخصية جاسم ليكون ذلك المدير الذي يستطيع توقيع إقرار مزور ثم ينام مرتاح البال في ليلته.

وجاسم، في سعيه المستميت للحصول على رضا أبيه، نفّذ كل ما كان متوقعاً منه بالحرف.

التفت إلى أبي وقلت: “لقد كنت تعلم.. أليس كذلك؟”

لم ينكر أبي، وبقي صامتاً.

تابعت: “مذكرة التفويض.. تلك التي سمحت للشركة الفرعية غير المعتمدة بالاطلاع على البرمجيات.. أنت من وقعها.”

شحب وجه أبي وانقشع عنه الدم: “لم أكن أفهم ماهية الورقة التي أوقعها!”

“بل كنت تفهم قدر ما يكفي لتعلم أنها ليست إجراءً روتينياً.”

هز رأسه بنفي استعطافي: “كنت أحاول مساعدة جاسم!”

“بل كنت تساعده على كسر القانون!”

صرخ بحرقة: “أنا أبوه!”

نظرت في عينيه وقلت بمرارة: “وأنا ابنك أيضاً..”

فتح فمه ليتكلم، لكن لم تخرج منه كلمة واحدة.

—

حنحن اللواء صالح بصوته الثقيل: “النقيب بدر..”

التفت إليه: “أهلاً سعادة اللواء.”

“السيارة بانتظارنا في الفناء، نود استكمال التقرير والإيجاز في مقر القاعدة.”

“أمرك يا أفندم.”

رفععلبة وسامي من الطاولة.. كانت البطاطس والصلصة لا تزال تلتصق بحوافها.

مسحتها بإبهامي، ونظرت إلى الوسام..

لم أره حينها كرمز لإنجازي الشخصي، بل كرتذكار صارم لما أنا مستعد للتضحية به في سبيل أداء واجبي.

—

في الخارج، كان الهواء البارد يلف المكان.

وكانت السيارات الحكومية الثلاث تنتظر في الفناء كسهام سوداء تشير نحو مستقبلي.

تبعني أبي حتى الباب الخارجي: “بدر.. انتظر.”

توقفت.

بصوت متلعثم قال: “لم أكن أقصد أن—” ثم صمت وتابع: “كنت أريد فقط—”

“ماذا كنت تريد يا أبي؟”

صارع كلماته ثم قال: “أردتك أن تفهم حجم ما بنيته طوال حياتي.”

قلت له: “أنت لم تبنِ شيئاً.. أنت فقط جعلت الجميع يعتقدون أنك فعلت.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *