ثمن الصمت – محمد نور
ثمن الصمت – حكايات محمد نور
# ثمن الصمت. – كاملة
«لقد توفيت والدتك بالفعل، والانتظار حتى الصباح لن يغير من الأمر شيئاً.»
خطف “طارق” مفاتيح السيارة من يدي وكأن حزني وفاجعتي لم يكونا سوى إزعاج لا يعنيه.
كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل في شقتنا بمدينة القاهرة. وقبل دقائق معدودة، اتصل بي أخي “يوسف” من الإسكندرية وصوته يختنق بالبكاء ليخبرني أن أمنا قد توفيت فجأة إثر سكتة قلبية حادة ولم يستطع الأطباء إنقاذها.
لم أكن أريد سوى شيء واحد… أن أصل إلى المستشفى، وأمسك بيدها، وأودعها.
توسلت إليه والدموع تعمي بصري: «أرجوك… لا أستطيع القيادة في هذه الحالة، خذني إلى هناك فقط.»
نظر طارق إلى ساعته بقلة صبر شديدة وقال: «سيأتي الشيخ ليعقد البركة في البيت صباح الغد، وبعده مباشرة يصل مستثمران. لن أستقبلهم بزوجة تبكي وتتحدث عن الموت! هذه طاقة شؤم في صفقات الأعمال.»
اندفعت نحو باب الشقة، لكنه أمسكني من شعري وجذبني للوراء، ثم ضربني على وجهي بقوة جعلتني أرتطم بالجدار، وانساب طعم الدم في فمي.
في تلك اللحظة، ظهرت حماتي “سعاد” في الممر وهي ترتدي رداءها الحريري. للحظة سريعة، خالجني الأمل في أن تتدخل لتدافع عني، لكنها نظرت إليّ ببرود وتحدثت دون أن يطرف لها جفن:
«اقفل على “إيفيلين” في غرفة الخزين… إنها منهسترة. بمجرد انتهاء الاجتماع غداً، يمكنها أن تذهب لتصنع درامتها هناك. لا تدعها تخرب هذا العقد علينا.»
سحبني طارق نحو غرفة الخزين الصغيرة أسفل السلم، وعندما قاومته، وجّه إليّ ضربة قوية في معدتي قبل أن يغلق الباب الحديدي بالمفتاح من الخارج.
في الظلمة الدامسة، صرخت وصحت حتى احترق صوتي، لكن أحداً لم يأتِ. وكانت آخر كلمة سمعتها هي حماتي سعاد وهي تقول لابنها عبر الباب: «اغسل يديك يا بني، ولا تحمل سوء حظ هذه العائلة إلى الغد.»
في تلك الظلمة، تغير شيء ما بعمق في داخلي.
لسنوات خمس، كنت أسلّمهما رواتبي بالكامل، وأتحمل نوبات غضب طارق المشوبة بالشراب. كانت أمي علمتني دائماً الصبر، لكنني خلطت بين الصبر والتدمير الذاتي.
تلمست الأرض الخرسانية حتى وقعت أصابعي على مطرقة ثقيلة كان قد تركها عمال الصيانة. رفعتها وضربت بها القفل الحديدي… ضربة، ثم ضربتان.
ركل طارق الباب بقوة من الخارج وصرخ: «إن فعلتِ ذلك مجدداً فسأكسر ساقيكِ!»