زواج أخير – محمد نور

زواج أخير- محمد نور

تزوجتُ من رجلٍ في أيامه الأخيرة لأحقق له أمنيته الأخيرة. وبعد أيام قليلة من دفنه، طرق محاميه بابي ممسكاً بظرفٍ ورسالة، وجملةٍ واحدة قَلبَت حياتي رأساً على عقب.

ثلاث مرات في الأسبوع، كنتُ أخصص جزءاً من وقتي للعمل التطوعي في جمعية لرعاية المرضى في المراحل الأخيرة من حياتهم. كان معظم المترددين على الجمعية من كبار السن أو المصابين بأمراض مستعصية. كانوا بحاجة إلى مساعدة في أمورهم اليومية، ولكن قبل كل شيء، كانوا بحاجة إلى مؤنسٍ يخفف عنهم وطأة الوحشة والوحدة.

قبل بضعة أشهر، أُوكلت إليّ رعاية مريض جديد.

كان اسمه طارق.

كان في أواخر الأربعينيات من عمره، مصاباً بمرضٍ لا شفاء منه، ولم يكن له أي أقرباء أو معين يسانده.

منذ لقائنا الأول، سادت بيننا ثقة متبادلة وعفوية. كان طارق دمث الخلق، لطيف المعشر رغم ألم المرض، وحريصاً دوماً على إظهار امتنانه لأبسط الرعاية التي أقدمها له.

كنت أُعدّ له وجبات الطعام، وأعتني بتنظيم بيته، وحين يتحسن حاله قليلاً، نصرف الساعات في الحديث الدافئ كوباً من الشاي، أو نتشارك اللعب ببعض الألعاب التراثية البسيطة.

في أحد الأيام، نظر إليّ مباشرة وقال:

— هل لي أن أطلب منكِ أمراً؟

أومأتُ له بالقبول.

تنفس بصعوبة وأخذ نفساً عميقاً قبل أن يكمل:

— هل تقبلين أن تكوني زوجتي على سنة الله ورسوله؟

تسمرتُ في مكاني من الهول.

— أنت تمازحني بكل تأكيد…

هرّ رأسه بهدوء ورجاء:

— أبداً، والله. أعلم أن الأمر يبدو ضرباً من الخبل. ولكنني أتمنى أن ألقى الله وقد عرفتُ، ولو لبرهة قصيرة، معنى أن تكون لي زوجة وعائلة تُؤنس وحدتي.

لم أدرِ بماذا أجيبه.

— يا طارق… نحن لا نعرف بعضنا إلا منذ فترة قصيرة جداً…

ابتسم ابتسامة هادئة ملؤها الس\كينة:

— الأيام ليست بالعدد. في أسابيع قليلة لمستُ معدنكِ الطيب وعرفتُ نبل أخلاقكِ. هذه هي أمنيتي الأخيرة في هذه الدنيا.

لمست كلماته شغاف قلبي.

ولستُ أدري حتى الآن كيف ولماذا…

لكنني قلتُ له: نعم.

في اليوم التالي، أتينا بالمأذون وعُقد القران في مجلس بيته البسيط.

لم تكن هناك حشود ولا مدعوون.

ولا أهازيج ولا زينة.

كنا نحن الاثنين فقط، وحضر شاهدان من الجيران.

كنتُ أرتدي ثوباً أبيض بسيطاً، وهو القطعة البيضاء الوحيدة التي أملكها.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *