زواج أخير – محمد نور

وبينما كنتُ أفتش أكثر في الصندوق، عثرتُ على ورقة مخفية تكشف فيها أمي أن شخصاً ما قد خانهم، وأن قصتنا كلها بنيت على أكاذيب.

ومن بين الأسماء المذكورة… كان اسم المحامي “مراد”!

في تلك اللحظة، تردد صوت خطوات على شرفة الكوخ.

انفتح الباب، ودخل مراد بخطوات بطيئة وقال بهدوء:

«كنتُ آمل ألا تستمعي إلى هذا التسجيل.»

تراجعتُ إلى الخلف بغريزتي.

ثم لاحظتُ تجويفاً سرياً ثانياً داخل الصندوق، كان بداخله هاتف يعمل بالفعل، وتظهر على شاشته مكالمة قيد الاتصال باسم:

“أمي”

همس صوت امرأة عبر الهاتف:

«آمال… استمعي إليّ بجميع جوارحكِ.»

التفتُّ نحو النافذة…

وعلى الرصيف البحري، وسط ضباب الصباح، كانت هناك امرأة ترتدي معطفاً أزرق تنظر إليّ.

كانت أمي!

ومن خلفها ظهر رجل آخر… “عمر”، الرجل الذي ظن الجميع أنه اختفى.

خفضت أمي بصرها قبل أن تقول بصوت خافت:

«لقد أخفى عنكِ طارق حقيقة أخيرة…»

ثم انقطع الخط.

الجزء الرابع (النهاية): الحقيقة المستعادة

خيم الصمت على الكوخ.

— «أمي…»

اقتربت مني بخطوات بطيئة والدموع تملأ عينيها. وقفنا لبرهة طويلة نتبادل النظر قبل أن تضمني إلى صدرها أخيراً.

همست وهي تبكي: «سامحيني… كنت أظن أنني بابتعادي عنكِ أحميكِ.»

سألتُها لماذا لم تراسلني طوال تلك السنين؟

فمدت يدها وسلمتني صندوقاً يحتوي على عشرات الرسائل… رسالة لكل سنة من سنوات عمري. كان طارق قد احتفظ بها بعناية، منتظراً اللحظة التي أكون فيها مستعدة لقراءتها.

من خلال تلك الرسائل، اكتشفتُ حب أمٍّ كُتب عليها أن تظل بعيدة عن طفلها.

وعرفتُ حينها أن طارق لم يخفِ عني الحقيقة جبناً أو خوفاً، بل كان بطلًا يفي بالوعد الذي قطعه لأمي.

قبل أن يغادر المحامي مراد، سلمني وصية طارق الأخيرة.

لقد أوصى بمنح الكوخ والبحيرة وبقية ممتلكاته لجمعية الرعاية التطوعية لتمويل منحة دراسية للشباب الذين يواجهون ظروفاً صعبة.

وفي الصفحة الأخيرة من الوصية، كتب طارق بضع سطور:

«إذا كنتِ تقرئين هذه الكلمات، فاعلمي أنكِ عرفتِ أخيراً من أكون.

لا تأسفي على السنوات التي مضت.

تذكري فقط أيام الخميس التي كنا نقضيها معاً… فقد كانت بالنسبة لي أجمل أيام حياتي.»

بعد ثلاثة أشهر، عدتُ أنا وأمي إلى ضفاف البحيرة.

غرسنا شجيرة جديدة بالقرب من الكوخ، ووضعنا عند أصلها لوحة رخامية صغيرة حُفرت عليها عبارة بسيطة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *