القصة كاملة – محمد نور
– بابا، إذا سافرت، ستعود «سارة» لتقطير تلك القطرات في فمي.. القطرات التي تجعل قلبي يخفق بشدة وكأنه سيفجر صدري.
أسقط «طارق» حقيبة سفره في مدخل شقته بوسط القاهرة. كان من المفترض أن يستقل القطار المتجه إلى الإسكندرية بعد ساعتين لإبرام أهم صفقة في تاريخ شركته، لكن كلمات ابنته ذات الست سنوات محت أي اهتمام آخر من عقله.
كانت «جنى» تعانق خصره، حافية القدمين وترتجف من الخوف.
– أي قطرات يا حبيبتي؟
– تقول إنها فيتامينات، لكن بعد أن آخذها تبدأ يداي بالارتجاف، ولا أستطيع النوم، وأشعر بغضب شديد. حينها تقوم بتصويري بمقاطع فيديو لترسلك إياها وتخبرك أنني مريضة نفسياً.
كانت «سارة» زوجة طارق منذ أحد عشر شهراً فقط. ظهرت في حياتهما بعد عامين من وفاة «مريم»، والدة جنى، بعد صراع طويل مع المرض. أظهرت سارة في البداية حناناً وصبراً وتفهماً كبيراً لحزنهما، فظن طارق أن الأمل قد عاد لجمع شتات أسرته من جديد.
– لماذا لم تخبريني بهذا من قبل؟
نظرت جنى برعب نحو المطبخ وقالت بصوت خافت:
– لأنها قالت إنك إذا تشاجرت معها بسببي، فسترسلني إلى دار أيتام مع غرباء، كما تهددني دائماً برمي صور أمي في القمامة.
وقبل أن يتمكن طارق من الرد، أردفت الصغيرة:
– في بعض الأحيان يأتي رجل يدعى «سامح»، والأمس سمعتهما يقولان إنهما بحاجة إلى نوبتين أخريين حتى يبيعا بيت «الفيوم».
كان ذلك البيت المزرعي ملكاً لجدَي جنى من طرف أمها، وقد أورثته مريم لابنتها، بينما يتولى طارق إدارته وصيانته حتى تبلغ الصغرى سن الرشد.
في تلك اللحظة خرجت سارة من المطبخ وهي تحمل كوباً من القهوة، وعرضت ابتسامة ساحرة لا تشوبها شائبة:
– غيداء الصغيرة الغيورة لا تريد لأبيها أن يسافر ويتركها.
اختبأت جنى خلف والدها، في حين أدرك طارق أن مواجهة سارة في تلك اللحظة قد تحرمه من الحصول على أي أدلة ضدها. طبع قبله على رأس ابنته، وأمسك بحقيبته، ونزل إلى الممر كأن شيئاً لم يكن.
لكنه لم يتجه إلى محطة القطار.
استعان طارق بـ «محمود»، مسؤول الأمن في شركته. وبينما أخذت سارة الصغيرة جنى إلى إحدى الحدائق العامة، استغلا الفرصة وثبتا كاميرات مراقبة خفية في زوايا المنزل. بعد ذلك، حجز طارق غرفة في فندق قريب ليتابع كل ما يجري عبر هاتفه.
في الساعة 1:18 ظهراً، عادت سارة إلى الشقة.