روحت عزومة عيلة اختي
صاح والدي وهو يشير إليّ بيده: “تعالي يا إيمان.. اقعدي هنا، على يمين الكرسي بتاعي.”
تحركتُ بخطوات ثقيلة، بينما ساد صمت موحش، لم يقطعه إلا صوت وقع خطواتي.
والدي، الحاج “عبد الحميد”، كان رجلاً لا يهتز له جفن، واليوم كان في عينيه بريق غريب لم أره منذ سنوات.
التفت والدي إلى أمي وقال بصوت منخفض لكنه حاد كالشفرة: “كنتي بتقولي لمين يا سعاد إن وجودها مش مطلوب؟”
أمي وضعت نظارتها ببرود وقالت: “يا عبد الحميد، البيت ضيق والناس اللي معزومة النهاردة ليهم وضع خاص.. شريف جوز نيرمين جايب أهله عشان نناقش موضوع الشركة الجديدة، وإيمان.. يعني.. بظروفها دي، مش هتعرف تشارك في الكلام.”
كلمة “بظروفها دي” كانت الطعنة المعتادة. يقصدون أنني امرأة مطلقة، أعمل ليل نهار لأعيل ابنتي، ولا أملك “بريستيج” أزواجهن الذين يملكون العقارات والشركات.
ضحك والدي ضحكة قصيرة مريرة، ثم ضرب بيده على السفرة بقوة جعلت الأطباق تهتز: “ظروفها؟ قصدك إنها أنضفكم؟ إنها البنت الوحيدة اللي مش جاية تطمع في ميراثي وهي عيني لسه بتفتح وتغمض؟”
نيرمين تدخلت بصوت مهتز: “يا بابا، إحنا بس كنا عاوزين القعدة تبقى هادية، وإيمان
ليلى بنتها بتعمل دوشة…”
قاطعها والدي بصرخة هزت أركان الفيلا: “اخرسي يا نيرمين! ليلى دي حفيدة صاحب البيت، والبيت ده إيمان ليها فيه أكتر من أي حد فيكم.”
التفت والدي إلى “شريف” صهرنا، الذي كان يحاول التواري خلف كوب العصير، وقال له: “وأنت يا شريف.. كنت جاي النهاردة عشان تطلب مني التنازل عن الأرض اللي في التجمع عشان تدخل بها شريك في الشركة، مش كده؟”
شريف ابتلع ريقه بتوتر: “يا عمي ده مشروع العمر، ونيرمين قالت لي إن حضرتك موافق.”
هنا، وقف والدي واتجه نحو المكتب الصغير في ركن الصالة، وأخرج ملفاً جلدياً أسود. عاد إلى السفرة ورماه أمام الجميع.
“المؤامرة اللي عملتوها النهاردة عشان تبعدوا إيمان عن القعدة، أنا فاهمها كويس. كنتم فاكرين إن لو إيمان مش موجودة، هتقدروا تضغطوا عليا أمضي على ورق التنازل بحجة إن نيرمين هي اللي شايلاني، وإن إيمان ‘مش حمل مسؤولية’ وممكن تضيع الفلوس.”
أمي وقفت بحدة: “عبد الحميد! أنت بتصغرنا قدام
الناس ليه؟ إيمان بنتك وأنا أمها، وأنا أدرى بمصلحتها.. هي مش محتاجة أطيان، هي محتاجة حد يستر عليها!”
بصقت أمي بالكلمة الأخيرة، وكأن حياتي بدون رجل هي “عورة” يجب سترها. شعرتُ بالدموع تحرق عيني، لكنني رفعت رأسي. كنتُ سأنسحب، لولا يد والدي التي وضعت على كتفي فجأة.