سر الحليب داخل بيت حماتي
ما ردت.
أرجون وقّع اعترافه بالأبوة، وتكفل بنفقة الطفل ورعايته الطبية، وتم ترتيب وضع ميرا بشكل رسمي بعيداً عن بيت حماتي.
أما أنا، فطلبت الانفصال.
لم يكن القرار سهلاً.
كنت أنظر لبنتي وأتخيل حياة ببيت واحد مع أبوها، ثم أتذكره وهو يفتح الثلاجة في الظلام
ويأخذ ما هو لنا ليدفن به كذبته.
في المحكمة، لم أبالغ ولم أصرخ.
قلت الحقيقة كما حدثت.
قلت إنني لا أستطيع بناء زواج على سر بدأ من جسدي، من أمومتي، من شيء لا يحق لأحد لمسه دون إذني.
أرجون بكى.
قال إنه يحبني.
قال إنه يحب بنتنا.
قال إنه كان ضعيفاً.
صدقته في نقطة واحدة فقط.
كان ضعيفاً فعلاً.
لكن ضعف الإنسان لا يعطيه حق أن يكسر غيره.
انتهى الزواج، وبقيت الأبوة.
سمحت له يرى بنتنا بترتيب واضح، وبوجود حدود لا تتغير.
لم أمنعه منها، لأن ذنب الأب لا يجب أن يتحول لعقوبة على الطفل.
لكنه لم يعد يملك مفاتيح بيتي، ولا ثقتي، ولا حق الدخول إلى حياتي كأنه لم يفعل شيئاً.
أما ميرا، فمع الوقت صارت أقوى.
لم نصبح صديقات، فالألم بيننا أكبر من المجاملات.
لكني لم أعتبرها عدوتي.
كانت هي أيضاً امرأة تُركت وحدها في وقت هش، واستُخدمت مثلما استُخدمت أنا، كل واحدة بطريقة مختلفة.
الطفلان كبرا على حقيقة صعبة، لكن على الأقل لم يعودوا يعيشون داخل كذبة.
حماتي حاولت مرة ترسل لي رسالة طويلة.
كتبت فيها أنها لم تقصد تؤذيني، وأنها فقط كانت تخاف من كلام الناس.
قرأت الرسالة أكثر من مرة.
لم أشعر بالغضب مثل قبل، لكنني لم أشعر بالرغبة في الرد.
لأن بعض الاعتذارات تأتي بعد أن يكون الباب تغير، لا فقط انكـ,سر.
اليوم، عندما أفتح الثلاجة وأرى حليب بنتي مرتباً في أكياس صغيرة، أحياناً يرجع لي ذاك المشهد.
الباب نصف مفتوح.
الرضّاعة على الطاولة.
صوت طفل لا أعرفه.
وجملة لم تكتمل إلا لتكـ,سر بيتاً كاملاً.
لكنني لم أعد أرتجف.
تعلمت أن الأمومة لا تعني أن أعطي حتى أنسى نفسي.
والزوجة الصالحة ليست التي تسكت عن سر يجـ,رحها.
والستر لا يكون بسـ,رقة حق إنسان آخر.
أكثر سؤال ظل يلاحق كل من سمع قصتي كان: هل كان يجب أن أسامحه لأنه أنقذ طفلاً جائعاً، أم أتركه لأنه خـ,انني واستغل أضعف لحظاتي؟
أنا أعرف جوابي.
لكن كل شخص يسمع الحكاية يقف عند زاوية مختلفة؛ بعضهم يرى الطفل أولاً، وبعضهم يرى الكذبة، وبعضهم لا يستطيع تجاوز يد أرجون وهي تمتد كل ليلة إلى حليب لم يكن له.