سر الحليب داخل بيت حماتي

كان في اثنا عشر كيس.

الصباح صاروا تسعة.

وبنتي ما شربت إلا رضعة وحدة.

وقفت قدام الثلاجة وأنا ماسكة الباب، والبرد يطلع على وجهي، لكن جسمي كان يغلي.

سمعت أرجون داخل الصالة يكلم أمه بالتلفون بصوت واطي.

لما قربت، سكت فجأة.

بعدها قال بنبرة مصطنعة: لا، لا، بكلمك بعدين.

دخلت عليه وسألته بهدوء ما يشبه اللي داخلي: أرجون، الحليب اللي خزنته أمس وين راح؟

طالعني لحظة، وبعدين ابتسم ابتسامة غريبة.

ابتسامة شخص يبي يهرب قبل لا ينكشف.

قال: يمكن أنا رميته بالغلط.

كان شكله قديم.

قلت: مكتوب عليه تاريخ أمس.

سكت.

ثانيتين بس، لكنها كانت أطول من الليل كله.

بعدها حك رقبته وقال: يمكن اختلط علي.

آسف.

كنت تعبان.

هزيت راسي كأني صدقته، بس قلبي لا.

قلبي وقف عند كلمة واحدة: كذب.

في ذيك الليلة، ما نمــ,ت.

خليت بنتي تنام جنبي، وغمضت عيوني لما دخل أرجون الغــ,رفة.

سمعته يتنفس، يتقلب، ينتظر.

كان يظن إني غارقة في النوم.

وأنا كنت أعد الدقائق.

الساعة قربت من اثنتين ونص.

قام.

ببطء شديد، سحب يده من تحت الغطاء، نزل رجله على الأرض بدون صوت، ومشى للمطبخ.

فتحت عيني شوي.

شفته من فتحة الباب.

فتح الثلاجة، طلع كيسين، ثم رجع وطلع كيس ثالث.

تأكد من التواريخ.

حطهم في شنطة قماش

صغيرة، ثم التفت ناحية الغرفة.

تظاهرت بالنوم.

وقف عند الباب يطالعني.

حسيت بنظرته على وجهي.

كنت أخاف رمشي يتحرك.

بعد لحظات، انسحب وطلع.

ما واجهته.

كان فيني غضب يكفي إني أصرخ، بس كان فيني خوف أكبر.

خوف إن الحقيقة تكون أبشع من سؤال بسيط.

رحت لغرفة أمي، صحيتها بهدوء وقلت لها: يمه، خليك مع البنت شوي.

فتحت عيونها مفزوعة.

قالت: وش فيك؟

قلت: برجع.

ما سألت أكثر.

يمكن شافت في وجهي شي خلّاها تسكت.

لفيت شال خفيف على كتفي، وطلعت وراه.

الشارع كان فاضي.

كان الوقت آخر الليل، والحي كله نايم.

لمبات الشارع الصفراء كانت ترسم ظلال طويلة على الجدران، والهواء بارد بطريقة تخلي القلب ينكمش.

أرجون كان يمشي بسرعة، رأسه نازل، والشنطة بيده.

ما ركب سيارته.

وهذا خلاني أتأكد إنه رايح مكان قريب.

كنت أمشي من بعيد، ألصق نفسي بالجدران كل ما التفت.

ما كنت أعرف إني أقدر أكون بهالهدوء وأنا من داخلي أرتجف.

كل خطوة كان عقلي يرمي احتمال جديد.

هل يبيع الحليب؟

هل يعطيه لامرأة ثانية؟

هل في طفل لا أعرف عنه؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *