طلعت وهي لابسة شال قديم، وجهها شاحب، وشعرها غير مرتب.
مدت يدها للشنطة بسرعة، ونظرت حولها.
أرجون قال لها شي بصوت منخفض، وهي هزت رأسها بعصبية.
ثم دخلا.
أنا بقيت خلف شجرة صغيرة قدام البيت.
كنت أسمع دقات قلبي أوضح من أي صوت.
جزء مني كان يقول ارجعي، بنتك تحتاجك.
وجزء ثاني كان يقول لو رجعتي الآن، بتعيشين عمرك كله في كذبة.
اقتربت من الباب.
كان مو مقفل تماماً.
من الفتحة الضيقة، شفت الصالة.
طاولة صغيرة في الوسط، عليها رضّاعات، ماء دافئ، مناديل، وأكياس حليب أعرفها أكثر من أي شخص.
خط يدي واضح على كل كيس.
التاريخ.
الساعة.
حتى القلب الصغير اللي رسمته على أول كيس يوم حسيت بالفخر إني قدرت أخزن لبنتي.
بس الرضاعة اللي كانت على الطاولة ما كانت لبنتي.
ومن الغرفة الداخلية، طلع صوت بكاء طفل.
تجمّدت.
بكاء صغير، متقطع، ضعيف.
مو بكاء بنتي.
أنا أعرف صوت بنتي حتى من بين مئة طفل.
هذا صوت ثاني.
طفل ثاني.
خرجت امرأة شابة من الغرفة.
كانت نحيفة جداً، بشرتها شاحبة، شعرها مربوط بإهمال، وعيونها حمراء من قلة النوم.
كانت شايلة رضيع ملفوف ببطانية بيضاء.
أرجون اقترب منها بسرعة وقال: لا تخلينه يبكي كثير، الجيران ممكن يسمعون.
الجملة ضربتني.
ليش الجيران ما لازم يسمعون؟
حماتي أخذت كيس الحليب وبدأت تدفيه.
المرأة الشابة جلست على طرف الكنبة، تهز الطفل ودموعها تنزل بصمت.
قالت لأرجون بصوت مخنوق: أنا ما أقدر أكمل كذا.
أنت قلت لها؟
أرجون رد بسرعة: مو الآن.
قالت: كل يوم تقول مو الآن.
حماتي التفتت عليها بعصبية: اخفضي صوتك.
زوجته لو عرفت، بتخرب كل شي.
زوجته.
الكلمة دخلت صدري مثل حجر.
أنا كنت واقفة على الباب، أسمعهم يتكلمون عني كأني عقبة.
كأني مشكلة لازم يديرونها، مو أم، مو زوجة، مو إنسانة انسرق منها حليبها وثقتها ونومها.