في صباح مزدحم امام مدخل وزارة الدفاع

في صباحٍ مزدحم أمام مدخل وزارة الدفاع في القاهرة، دفعني شاب متغطرس من أفراد الحرس وهو يصرخ:

“اتحركي من الطريق يا مدنية!”

لم يكن يعلم… ولا والدي الذي كان يقف خلف الحاجز يضحك… أنني لست مجرد موظفة عادية كما يظنون.

اسمي ليلى منصور.

على مدار ثلاثين عامًا، كان والدي، اللواء المتقاعد حسام منصور، يقدمني للجميع على أنني “موظفة أوراق بسيطة” داخل الوزارة.

كنت أتركه يصدق ذلك… لأن الحقيقة كانت أخطر بكثير من أن تُقال.

أنا في الحادية والخمسين، وعملي الحقيقي كان دائمًا خلف الأبواب المغلقة… في واحدة من أكثر الجهات حساسية في الاستخبارات البحرية.

في ذلك اليوم، كل ما أردته هو أن آخذه لتناول الغداء احتفالًا بعيد ميلاده الثامن والسبعين.

ارتديت معطفًا بيج بسيطًا وبنطالًا عاديًا، أبدو كأي موظفة وسط الزحام عند مدخل الزوار.

فجأة، دوّت صفارات إنذار… تدريب أمني مفاجئ، والناس في حالة ارتباك.

ثم جاء الصوت الحاد:

“اتحركي يا مدام!”

لم أستدر حتى… شعرت بيد قوية تدفعني من كتفي.

ترنحت للأمام، وكادت قدماي تنزلقان على الأرض اللامعة.

كان شاب برتبة عريف، وجهه متوتر من الحماس، يفتح الطريق لشخصية مهمة.

دفعني خارج الصف وكأنني مجرد إزعاج.

تماسكت بصمت.

لم أتكلم… أنا لا أكسر القواعد أبدًا.

ضحك والدي خلف الحاجز وقال بسخرية:

“واضح يا ليلى إنك مش مهمة هنا زي ما فاكرة… المدنيين ورا، زي زمان.”

ابتلعت كلماتي.

العسكري نظر لي بحدة، ويده على سلاحه:

“ارجعي ورا فورًا.”

لكنني… لم أتحرك.

في تلك اللحظة، سُمع صوت المصعد التنفيذي وهو يفتح.

صوت خطوات عسكرية ثقيلة على الرخام… ثم خرج الفريق أول محمود الشاذلي، رئيس هيئة الأركان.

تجمّد المكان كله.

العريف الذي دفعني وقف في وضع الانتباه، منتظرًا الإشادة.

لكن…

الفريق لم ينظر إليه أصلًا.

رفع عينيه… وحدق بي مباشرة.

تجاوز نقطة التفتيش، وسار بخطوات ثابتة نحوي… حتى وقف أمامي تمامًا.

الصمت كان خانقًا.

والدي توقف عن الضحك.

العريف ابتلع ريقه… بدأ يدرك أن هناك خطأ فادحًا.

وقف الفريق أمامي على بعد خطوة واحدة…

ثم رفع يده ببطء…

وأدى لي التحية العسكرية الكاملة.

في تلك اللحظة، تغيّر وجه والدي تمامًا…

لم يعد يرى “موظفة أوراق” أمامه…

بل شخصًا لم يعرفه أبدًا.

والأغرب… لم يكن هذا أكثر ما سيحدث صدمة في ذلك اليوم…

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *