بعد شهر من وفاة زوجي ١

الخوف زاد جوايا، وحسيت إن فيه مصيبة مستخبية في البيت ده. وفي يوم، خالد وحماتي خرجوا مستعجلين عشان يزوروا قرايب لهم في المحافظة تانية، ونسوا “ميدالية المفاتيح” على تربيزة الصالة.
قلبي كان بيدق زي الطبل، وجسمي كله بيترعش. أخدت المفاتيح وطلعت السلم خطوة خطوة، الهوا كان ساقع وصوت أنفاسي كان مسموع.
وصلت للباب، جربت المفتاح الأول.. الثاني.. وفجأة، القفل الكبير اتفتح!
فتحت الباب ببطء، الشقة كانت ضلمة كحل وريحتها غريبة.. ريحة أدوية ومستشفيات مخلوطة بتراب. مشيت بكشاف الموبايل، وفتحت باب الأوضة الكبيرة.. وهناك، شفت الصدمة اللي شلت عقلي!
سرير طبي، وأجهزة تنفس، وواحد نايم على السرير، وشه شاحب وجسمه خاسس النص، ومربوط من إيده في السرير عشان ميتحركش!
قربت بخطوات مرعوبة، ونورت الكشاف في وشه.. وصرخت صرخة كتمتها بإيدي وأنا بقع على الأرض من هول المنظر.
ده أحمد!!
جوزي.. اللي قالوا إنه مات ودفنوه، اللي بكيت عليه بدل الدموع دم! أحمد عايش، ومخطوف في بيته!

أحمد فتح عينيه بصعوبة وبصلي، ودموعه نزلت وهو مش قادر يتكلم بسبب جهاز التنفس، شلت الجهاز من على وشه وهو بيهمس بصوت متحشرج: “منى.. هربيني.. أمي وخالد عملوا فيا كده..”
وفجأة، وأنا بحاول أفك الحبال اللي في إيده، عيني وقعت على كومودينو جمب السرير، كان عليه “تقرير طبي” و”شيك بمبلغ ضخم جداً”.
سحبت الورق وأنا مش شايفة قدامي وقرأته.. الصدمة كانت مزدوجة!
أحمد عمل حادثة فعلاً، بس مماتش، الحادثة تسببت له في غيبوبة مؤقتة وشلل نصفي. الشركة بتاعته صرفت له “تعويض وتأمين بملايين الجنيهات” باسمه.
حماتي وخالد عشان يستولوا على الملايين دي، زوروا شهادة وفاته بالتوافق مع دكتور معدوم الضمير، ودفنوا جثة مجهولة مكانة، وحبسوه هنا في الشقة المهجورة، وكانوا بيدوا له أدوية معينة عشان يفضل عاجز ومغيب عن الوعي، وكل ده عشان يصرفوا الشيكات اللي باسمه، وكمان خدوا شقتي وورثي بالمرة!

وأنا لسه بحاول أستوعب الجريمة البشعة دي، وأحمد ماسك إيدي بيستنجد بيا، سمعت صوت خطوت رجول برة الأوضة.. وصوت ضحكة خالد المقززة وهو بيقول: “القطة فتحت الباب!”
لفيت ورايا برعب، لقيت خالد وحماتي واقفين على باب الأوضة، وفي إيد خالد “حقنة” مخدرة. بصتلي حماتي بكل برود وقالت الكلمة اللي كانت رصاصة في قلبي:
— “كويس إنك وفرتي علينا وقت يا منى.. مكنش ينفع نخلص منك وأنتِ برة البيت، لكن دلوقتى.. أنتِ وأحمد هتموتوا سوا في ‘ماس كهربائي’ مأساوي، والورث كله هيبقى لينا قانوناً ومحدش هيشك في حاجة!”
خالد قرب مني وعينيه فيها جنون الجشع، ورفع الحقنة عشان يغرسها في رقبتي، وأحمد بيصرخ على السرير بعجز وقهر.. وفجأة، وبدون أي مقدمات، جرس الباب تحت ضرب بعنف شديد، وصوت خبط وتكسير لباب البيت الرئيسي هز الجدران، وصوت ميكروفون من برة الشارع بيقول: “الشرطة.. افتح الباب فوراً!”
خالد اتسمر في مكانه والسرنجة وقعت من إيده، وحماتي وشها اتقلب لونه أزرق وبصتلي بذهول وهي بترتعش..
فرحة حماتي بانتصارها وقفت في حلقها، وخالد اتحول وشه لقطعة قماش بيضا وهو بيسمع صوت تكسير الباب الرئيسي بتاع العمارة تحت. الأصوات كانت بتقرب، وصوت خطوات تقيلة بتطلع السلم بسرعة رهيبة.
خالد بص لحماته برعب وقعد يتلفت حوالين نفسه زي الفار المحبوس: “الشرطة! الشرطة عرفت إزاي يا أمي؟ إحنا مأمنين كل حاجة! الدكتور قبض فلوسه وشهد بالوفاة، والجثة المجهولة ادفنت.. فيه إيه؟!”
حماتي لفت عليا وعينيها كانت هتطلع من مكانها من الغل، مسكتني من شعري بقوة ورفعت السكينة اللي كانت في جيب جلابيتها وقالتلي بفحيح مرعب: “أنتِ.. أنتِ اللي بلغتي؟ عملتيها إمتى وأنتِ تليفونك مبيفارقش إيد خالد؟! انطقي وإلا هصفّي دمك جنب جوزك الميت الصاحي ده!”
أنا كنت واقعة على الأرض، دموعي مغرقة وشي، بس لأول مرة من شهر، محسيتش بالخوف.. بصتلها وضحكت بوجع وقهر وقولت بصوت مخنوق: “الظلم ليله قصير يا حماتي.. والدم مبيطلعش عليه جماعة!”
قبل ما خالد يتحرك أو يعمل أي حاجة، باب الشقة في الدور الثالث اتكسر بضجة شديدة، ودخلت قوة من المباحث ومعاهم راجل غريب لابس بدلة.. أول ما شفته، قلبي دق بقوة. الراجل ده مكنش ظابط.. ده كان “استاذ رأفت” المحامي والمستشار القانوني بتاع شركة أحمد القديمة!

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *