سنين الغربة ٢
هزيت راسي وأنا ببتسم لأول مرة من ساعة ما رجعت من السفر:
ـ جاهزة يا أحمد… هده كله، أنا مش عايزة أشوف حاجة تفكرني باليوم ده.
أحمد فتح الباب، ودخل تلات عمال ومعاهم معلم كبير، بصلنا وبص للشقة وقال:
ـ السلام عليكم يا باشمهندس… إحنا اللي كلمتنا بخصوص الموبيليا.
أحمد رد عليه بحسم وهو بيشاور على الصالة وأوضة النوم:
ـ وعليكم السلام يا معلم… الشقة قدامك أهو، الأنتريه، السفرة، وأوضة النوم كاملة… هتاخدهم كلهم شروة واحدة وتنزلوهم حالا.
المعلم بدأ يلف في الشقة، يعاين الخشب ويخبط عليه، ومرات أخو جوزي تحت كانت سامعة صوت الهبد والرزع، فطلعت تقف على السلم هي وحماتي يتفرجوا وعينيهم هتطلع على العفش اللي كان لسه جديد وزي الفل وهو بينزل حتة حتة.
المعلم بصلنا وقال:
ـ الحاجة نضيفة يا باشمهندس وخشبها زان، خسارة تبيعها مستعمل… بس طالما أنت مستعجل، أنا هخلص معاك فيهم بـ…
وقبل ما يكمل السعر، أحمد قاطعه وقال:
ـ مش فارق معايا السعر يا معلم، المهم الحاجة دي تتقلع من جدران الشقة دلوقتي، مش عايز مسمار واحد يخص العفش ده يفضل هنا.
اتفقوا على السعر، وأحمد خد الفلوس وحطها على تمن الدهب اللي رجع، وبقوا العمال يفككوا السرير والدولاب اللي كانت أكياس هدومي المبهدلة جواه، وصوت الشاكوش والمفك كان بالنسبة لي زي الموسيقى اللي بتطهر المكان.
ساعتين بالظبط، والشقة بقت عبارة عن أربع حيطان قرعة، مفيهاش غير أنا وأحمد والشنط بتاعتنا اللي جينا بيها من المطار في نص الصالة. الغبار كان مالي الجو، بس الهوا كان نضيف… نضيف ومفهوش ريحة غدرهم.
أحمد قفل الباب ورا العمال بالمفتاح والترباس، وبصلي وهو بينفض إيديه من التراب، وعينيه لمعت بتحدي:
ـ أهو يا ستي… البيت فضي ومبقاش فيه أثر لحد. دلوقتي بقى، البسي عبايتك وخدي شنطتك، هوديكي بيت أهلك ترتاحي وتنامي ليلتك وسط ناسك، وأنا من النجمة همر عليكي… هننزل سوا ننقي أغلى وأنضف عفش في المعارض، وهنجيب شركة تنضيف تعقم الشقة دي حتة حتة من السقف للأرض.
قرب مني وباس راسي وقال بصوت حنين:
ـ سنتين شقى برة الغربة مش هيضيعوا عشان ناس طماعة يا نادين… بيتك هيرجع جنة، وأنا ضهرك وسندك.
لميت حاجتي وأنا حاسة إن الحمل اللي كان على صدري انزاح، نزلنا من العمارة وإحنا رافعين راسنا، وحماتي ومرات أخوه كانوا بيبصوا لنا من ورا الشيش بحسرة، بعد ما عرفوا إن أحمد مابقاش الطوع اللي بيسكت على حق مراته، وإن البيت اللي استباحوه… اتقفل في وشهم للأبد.
قضينا بقية اليوم عند أهلي، وأول ما دخلت من الباب وأمي شافتني، خدتني في حضنها وهي حاسة بيا من غير ما أتكلم. أحمد حكى لوالدي على كل اللي حصل من طقاطق للسلام، وبابا طبطب على كتفه وقالّه: “راجل يا ابني، والمال يعوضه ربنا طالما صنت عرضك وبيتك”. الليلة دي نمتها وأنا مرتاحة، حاسة إن روحي ردت فيا لمجرد إني نايمة في مكان متأكدة إن مفيش عين حاسدة أو إيد خاينة لمسته.
تاني يوم الصبح من النجمة، لقيت أحمد مستنيني وجايبلي فطار في إيده. نزلنا سوا ولفينا على أكبر معارض الموبيليا، كنا بننقي كل حتة على الفرازة… أوضة نوم مودرن ألوانها تفتح النفس، وأنتريه شيك، وسفرة صغيرة على قدنا. أحمد مفاصلش في قرش، كان بيدفع العربون وهو مبسوط ويقولي: “انقي يا نادين، اللي عينك تروح عليه هيركب عربية الشحن بكرة”.
في نفس الوقت، أمي وأخواتي البنات مأنتخوش؛ أخدوا بعضهم وطلعوا على شقتي. لما رحت هناك بعد ما خلصنا العفش، لقيتهم قالبين الشقة خل وبيكربونات ومطهرات. أمي كانت واقفة شادة حيلها وبتزعق في أخواتي: “امسحوا الحيطان دي تلات مرات، مش عايزة ريحة النفس القديم تفضل هنا!”. الشقة كانت بتبرق، والبلورات والشبابيك مفتوحة للهوا والشمس يدخلوا يطردوا أي طاقة مغلولة كانت مستخفية في الأركان.
وتالت يوم، كانت الملحمة الكبيرة.
عربيات الشحن وصلت تحت العمارة، وصوت العمال وهم شايلين الخشب الجديد طالعين بيه كان مسمع الشارع كله. حماتي ومرات أخوه كانوا واقفين ورا الشيش، يفتحوا حتة ويبصوا بقهر على العفش الجديد اللي كرتونته لسه عليه، العفش اللي أنضف وأغلى بمراحل من اللي باعوه وتبهدل تحت إيديهم.
أحمد كان واقف وسط العمال زي المهندس، يوجه ده ويساعد ده، وأنا وأخواتي بنفرش المفارش والستائر اللي كنا غاسلينها. على المغرب، الشقة كانت اتفرشت بالكامل، والسجاجيد رجعت من المغسلة ريحتها ورد وفل واتفرشت في الصالة. وقفت في نص بيتي، وبصيت حواليا… المرة دي فعلاً حسيت إنه بيتي، المكان بقاله روح جديدة بتضحك لنا.
أحمد دخل عليا الأوضة، كان عرقان وتعبان بس عينيه بتلمع بفرحة متتوصفش. قفل الباب وراه، وقرب مني وهو بيطلع علبة قطيفة حمراء من جيبه، وفتحها قدامي.
لقيت جواها غويشة ذهب جديدة، عريضة وبتلمع، تقيلة تملى الإيد. بلمت وبصيت له، فمسك إيدي ولبسهالي وهو بيقولي:
ـ الفلوس اللي اتبقت من العفش والبيع والشراء، قولت ملهاش مكان غير هنا… في إيدك. دي بدل اللي اتباعت، والمرة دي محدش يعرف طريقها ولا هيعرف مكانها فين. مبروك عليكي بيتك الجديد يا أميرتي، ومبروك عليا رجوعك لحضني وأنتِ راضية.
نزلت دمعة من عيني، بس المرة دي كانت دمعة فرحة، وأنا ساندة راسي على صدره وسط بيتنا الجديد اللي اتقفل علينا وبس.
مرت كام ساعة وإحنا قاعدين في هدوء تام، الهوا اللي داخل من البلكونة ريحته نضيفة، وصوت الأذان كان بيملا الشقة ويحسسنا بأمان غريب كأننا كنا في حرب وربنا كتب لنا النصر.
بصيت لأحمد وهو ساند ضهره على الكنبة الجديدة، ملامحه التعبانة كانت هادية لأول مرة من ساعة ما وصلنا من المطار. قام براحة وشغل كاسيت صغير كان جايبه مع العفش الجديد، ووطى الصوت على آيات من سورة البقرة، عشان البيت يتبارك والقرآن يطرد أي حسد أو غل سابوه وراهم.
قرب مني وقعد جمبي، مسك إيدي اللي فيها الغويشة الجديدة وباسها وقال بنبرة هادية بس فيها حسم:
ـ خلاص يا نادين… صفحة واتقفلت ورمينا كتابها كله في الزبالة. من هنا ورايح، مفيش مخلوق هيعرف عنا حاجة، ولا حد من أهلي هيدخل العتبة دي تاني. إحنا شقينا برة عشان نعيش مستورين وفي هدوء، والهدوء ده هحافظ عليه بروحي.
هزيت راسي وأنا حاسة برضا حقيقي مالي قلبي:
ـ عندك حق يا أحمد… الشقى مش بس فلوس ودهب، الشقى الحقيقي هو راحة البال، وطالما إحنا سوا والباب ده مقفول علينا، يبقى الدنيا كلها مش فارقة معايا.
قمت وقفت في البلكونة، وبصيت على الشارع. الشمس كانت بتغيب، والنور الهادي مالي المكان. لمحت من بعيد وليد أخوه وهو راجع، لابس لبس عادي مش من حاجتنا، وماشي مطأطأ راسه وعينه في الأرض بعد ما اتهزت صورته قدام الشارع كله وعِرفوا إنه اتمد على حاجة مش بتاعته. وحماتي كانت واقفة تحت في مدخل العمارة، باصة لفوق بحسرة، بس أول ما لمتني واقفة رافعة راسي، دارت وشها ودخلت جوة بسرعة.
لفيت ضهري للشارع كله، ودخلت جوة الشقة.
أحمد كان واقف مستنيني عند الباب، مسك إيدي وقفلنا ضلفة البلكونة الإزاز، وبعدها رحت وراه عند باب الشقة الكبير… قفلناه بالترباس، ولفينا المفتاح تلات غلقات.
بصينا لبعض وابتسمنا، وفي اللحظة دي بالظبط، حسيت إن السنتين اللي ضاعوا من عمري في الغربة رجعوا لي في دقيقة واحدة. البيت اللي كنت بحلم بيه طول السفر، مكنش مجرد حيطان وعفش… كان الراجل اللي صانني، والمكان اللي اتقفل علينا ومبقاش فيه مكان لخاين ولا لطماع.
سندت راسي على كتفه وإحنا بنمشي جوة صالتنا المنورة، وأخيرًا… عرفت إني رجعت بيتي.