صرخة في المول

إليك نسخة مُعاد صياغتها بأسلوب أكثر

«أرجوكم… حد يلحقني! ده مش أبويا!»

صرخة مرعبة شقت أجواء المول، أطلقتها طفلة صغيرة كانت تبكي وترتجف بينما يجذبها رجل أنيق المظهر بقوة وسط الزحام. في البداية ظن الجميع أنها مجرد مشادة عائلية عابرة، لكن الأمور سرعان ما كشفت حقيقة أكثر رعبًا.

كان يوم سبت ممطرًا، ومول “كايرو جيرني” يعج بالمتسوقين الذين يتنقلون بين المحلات والمطاعم في أجواء هادئة وطبيعية. لم يكن أحد يتوقع أن مأساة حقيقية تتكشف أمام عينيه.

التفت العشرات نحو مصدر الصراخ. كانت هناك طفلة صغيرة بشعر كستنائي مجعد، يحاول رجل طويل يرتدي معطفًا أنيقًا سحبها باتجاه مخرج الجراج. لم يكن بكاؤها يشبه بكاء الأطفال المعتاد؛ كان خوفًا حقيقيًا يملأ ملامحها.

كانت تحاول التمسك بالأرض بكل قوتها، تمد يدها نحو المارة وتستغيث:

«عشان خاطر ربنا… ما تسيبوش ياخدني!»

تردد بعض الناس في التدخل، خاصة بعدما قال الرجل بهدوء:

«متقلقوش يا جماعة، دي بنتي… حالتها النفسية صعبة بعد وفاة والدتها.»

بدا التبرير مقنعًا للبعض، لكن نظرات الطفلة المرتعبة كانت تحكي قصة مختلفة تمامًا.

«ده كداب!» صرخت وهي تنتحب.

عندها بدأ الرجل يفقد أعصابه. وحين حاولت الإفلات منه بعنف، دفعها بقسوة فارتطم جسدها الصغير بواجهة زجاجية لأحد المحلات.

تحطم الزجاج بصوت مدوٍ، وانتشرت الشظايا في كل مكان. ساد الذهول بين الحاضرين، بينما سقطت الطفلة على الأرض بين قطع الزجاج والدماء تنزف من ذراعها.

لأول مرة ظهر الخوف الحقيقي على وجه الرجل.

اقترب منها محاولًا إجبارها على النهوض، لكنها زحفت مبتعدة عنه وهي تصرخ:

«أنت مش بابا!»

هذه المرة لم يعد أحد قادرًا على تجاهل الأمر. بدأ أفراد الأمن يتجهون نحو التجمع، وتعالت الهمسات بين الناس.

وفجأة، انقسمت الجموع من تلقاء نفسها، وظهر رجل في أواخر الأربعينيات يتقدم بهدوء وسط الممر. لم يكن في ملامحه ما يلفت الانتباه، لكن حضوره وحده فرض صمتًا على المكان.

توقف على بعد خطوات قليلة وقال بصوت هادئ وحازم:

«شيل إيدك من على البنت.»

نظر الرجل الأنيق إليه، وفجأة اختفت ثقته بالكامل، وكأنه عرفه في اللحظة نفسها.

رد بصوت مرتبك:

«الأفضل ليك تبعد عن الموضوع.»

لكن القادم الجديد لم يعلق. أخرج بهدوء بطاقة تعريف من داخل سترته وفتحها أمامه.

كانت بطاقة شرطة.

تغير لون وجه الرجل فورًا، بينما رفعت الطفلة رأسها وسط دموعها وهمست بكلمة واحدة جعلت ملامح الضابط تتبدل لأول مرة:

«أخيرًا… لقيتني.»

الجزء الثاني: الحقيقة المُرّة

ساد صمت ثقيل في المول، وكأن الجميع حبس أنفاسه. وقف الرجل الذي أبرز بطاقة الشرطة يحدق بثبات في الرجل الأنيق، بينما وصل أفراد الأمن أخيرًا وهم لا يعرفون إن كانوا أمام خلاف عائلي أم جريمة حقيقية.

ابتعدت فريدة قليلًا عن الزجاج المكسور، وتمسكت بكمّ الضابط الرمادي بأصابع مرتجفة، وكأنها وجدت أخيرًا شخصًا تثق به.

تراجع الرجل خطوة وقال محاولًا التماسك:

«أعتقد أن هناك سوء فهم.»

لكن الضابط رد ببرود:

«لا… مفيش أي سوء فهم.»

ثم انحنى نحو الطفلة وسألها بلطف:

«اسمك إيه يا حبيبتي؟»

«فريدة كمال.»

«وتعرفي الراجل ده؟»

هزّت رأسها فورًا:

«لا.»

انتشرت الهمسات بين الحاضرين. حاول الرجل التبرير مجددًا:

«البنت تعبانة نفسيًا بعد اختفاء أمها…»

فقاطعه الضابط بحزم:

«اسكت.»

ثم أضاف وهو ينظر إليه مباشرة:

«اسمك الحقيقي شريف علام، والأجهزة الأمنية بتتابع تحركاتك من أكتر من أسبوعين.»

تبدلت ملامح شريف فورًا، وفي تلك اللحظة بدأ صوت سيارات الشرطة يُسمع خارج المول.

فجأة دفنت فريدة وجهها في ذراع الضابط وهمست:

«هو قالي لو صرخت تاني هيقتلوا ماما.»

سألها الضابط بسرعة:

«أمك فين؟»

أجابت والدموع تملأ عينيها:

«مش عارفة… آخر حاجة سمعتها كانت بتصرخ يوم ما خدوني.»

ساد الصمت مجددًا، قبل أن يتكلم شريف بصوت منخفض:

«أمها ما كانش المفروض تتدخل في الموضوع من البداية.»

تجمد الضابط في مكانه:

«تقصد إيه؟»

نظر شريف إلى فريدة وقال لأول مرة بخوف حقيقي:

«أمها شافت حاجة ما كانش المفروض تشوفها.»

وفي تلك اللحظة اقتحمت قوات الشرطة المكان وأحاطت به من كل اتجاه. لكن شيئًا واحدًا أثار قلق الضابط أكثر من أي شيء آخر: شريف لم يكن خائفًا من القبض عليه… بل كان خائفًا على فريدة.

—

الجزء الثالث: اللغز الصادم والنهاية

بعد ثلاث ساعات، كانت فريدة تجلس داخل غرفة تحقيق مؤمنة في مقر الأمن الوطني، تلف نفسها ببطانية بينما لا تزال آثار الخوف واضحة على وجهها.

جلس أمامها المقدم طارق الشناوي، الضابط الذي ظهر في المول. كان يحقق منذ أسابيع في شبكة معقدة لخطف الأطفال وتزوير الهويات، لكن شيئًا في هذه القضية لم يكن منطقيًا.

Ahmad Suliman

مال نحوها وسأل:

«فريدة… ليه كانوا بيجروا ورا مامتك؟»

ترددت قليلًا، ثم أخرجت مفتاحًا فضيًا صغيرًا من جيبها.

اتسعت عينا طارق.

«جبتيه منين؟»

قالت:

«ماما خبّته في لعبتي، وقالت لو حصل لها حاجة ما أخليش حد ياخده.»

تفحص المفتاح فوجد عليه نقشًا لصندوق أمانات في محطة مصر يحمل الرقم 214.

سألها:

«وإيه اللي جوه الصندوق؟»

أجابت بصوت مرتجف:

«الدليل اللي هيكشف الأشرار الحقيقيين.»

وقبل أن يواصل حديثه، انقطعت الكهرباء فجأة، وتعالت صفارات الإنذار في المبنى. تبعها صوت إطلاق نار في الممرات.

أخفى طارق الطفلة خلف المكتب وأشهر سلاحه. عندها فقط أدرك الحقيقة الصادمة: شريف لم يكن يحاول إيذاء فريدة، بل كان يحاول إبعادها عن أشخاص أخطر بكثير.

بعد دقائق من الفوضى، تمكن طارق من تأمين فريدة والخروج بها إلى محطة مصر، حيث فتحا صندوق الأمانات رقم 214.

في الداخل كانت هناك وحدة تخزين تحتوي على مستندات وأدلة تدين شبكة فساد واسعة تضم شخصيات نافذة.

Ahmad Suliman

سُلّمت الأدلة للجهات المختصة بسرية تامة، وخلال أقل من أربعٍ وعشرين ساعة سقطت الشبكة بالكامل، وتم العثور على والدة فريدة وإنقاذها.

وهكذا انتهى الكابوس الذي بدأ بصرخة طفلة داخل مول مزدحم، وانكشف السر بفضل مفتاح صغير، وشجاعة طفلة لم تستسلم، وضابط أصر على الوصول إلى الحقيقة مهما كان الثمن.

Ahmad Suliman

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *