بعد فوات الأوان
بعد مرور خمس سنوات على طلاقنا، اكتشف طليقي في المستشفى الحقيقة التي كان قد قرر تجاهلها بنفسه.
بعد خمس سنوات من الفراق، التقت عيناي بـ طارق مجددًا في ردهة المستشفى.
كان واقفًا أمام مكتب طبيب استشاري أجنبي، يشكره بابتسامة دافئة لم أرها على وجهه منذ سنوات. لقد أتى بهذا الطبيب خصيصًا من أوروبا ليعالج ريم، المرأة التي دمّر أسرتنا من أجلها.
أما أنا، فكنت جائية على ركبتي بجانب أحد المقاعد، أحاول أن أمسح بقايا القيء التي تركتها ابنتي على ملابسي.
وعندما رفعت رأسي، التقت أعيننا.
تجمد طارق في مكانه.
ثم أسرع بخطوات حثيثة نحوي.
— هل نور هي المريضة؟ هل رآها طبيب؟ هل تحتاجين أن أتدخل في شيء؟
نظرت إليه وهززت رأسي بنفي.
يا للغرابة!
قبل خمس سنوات، عندما مرضت نور حقًا، كان واقفًا أمامنا أيضًا.
لكنه حينها لم يسأل إن كنا بحاجة للمساعدة، بل طردنا من بيته تحت زخة مطر وغضب.
كانت نور تعاني من حمى شديدة، ترتجف وتكاد تبتلع أنفاسها بصعوبة بين ذراعي، بينما ترجيته أن يستدعي طبيبًا.
فنظر إليّ وكأنني لا شيء.
— كفّي عن تعليم ابنتك تمثيل المرض لتكسبي عطف الناس.
ثم أمر الجميع ألا يمدوا لنا يد العون.
في ذلك اليوم، أدركت أن الرجل الذي ضحى والدي بنصف عمره من أجله، يستطيع أن يشاهد ابنته تتلوى من الألم دون أن يتحرك فيه ساكن.
والآن، بعد خمس سنوات، يظهر وعلامات القلق على وجهه!
قال بصوت خافت:
— سارة… هل ما زلت غاضبة مني؟
كادت أن تخرج مني ضحكة ساخرة.
غاضبة؟
لم يعد لدي وقت لمثل هذه المشاعر.
عندما تقضي أم خمس سنوات وهي تنتقل بين المستشفيات مع طفلة تنطفئ حياتها تدريجيًا، تتوقف عن هدر طاقتها في كره من لا يستحق.
لقد انقطع المطر منذ زمن بعيد… فما فائدة المظلة الآن؟
تبعني طارق عبر الممر:
— أخبريني ما بها نور، أنا أباها!
توقفت وقلت:
— نور ليست بحاجة إلى أب قال عنها يومًا إنها تدعي المرض.
تغيرت ملامحه، وربما تذكر في تلك اللحظة تلك الليلة الشاتية… الحديقة… ونور وهي تتلوى بين ذراعي، وصوته وهو يقول لي:
— الأم الكاذبة تنتهي بإيذاء ابنتها، اعتبري هذا درسًا لك.
لم أضف كلمة أخرى، ودخلت الغرفة.
كانت نور ما زالت نائمة، شاحبة وصغيرة جدًا بين الأغطية البيضاء.
كانت والدة الطفلة في السرير المادي تجهز نفسها للمغادرة، بعد أن نجحت جراحة ابنتها، ولم تكن قادرة على إخفاء سعادتها.