بعد فوات الأوان
— أنا والدها.
فنظرتُ إليه وقلت:
— بحسب شهادة الميلاد، نعم.
نزع الدكتور يوسف نظارته تنهدًا:
— ربما يكون من الأفضل أن يستمع كليكما لما سأقوله.
جلستُ، وجلس طارق إلى جواري.
فتح الطبيب الملف:
— تظهر أحدث النتائج تراجعًا حادًا وكبيرًا في وظائف القلب.
شعرتُ بالبرودة تتسلل إلى أطرافي؛ كنت أعرف التشخيص سلفًا، لكن سماعه مجددًا كان يحمل ذات النصل الجارح.
سألتُ بصوت خافت:
— كم بقي لها؟
تردد الطبيب:
— لا يمكننا التحديد بدقة.
— دكتور، أرجوك…
تنهد الطبيب وقال:
— دون استجابة إيجابية للعلاج… قد تكون مسألة أشهر.
سُمع صوت ارتطام جاف إلى جواري؛ كان طارق قد أسقط هاتفه المحمول على الأرض. نظرتُ إليه للمرة الأولى، كان يبدو كمن لا يستوعب لغة الكلام:
— أشهر؟!
أومأ الطبيب رأسه:
— نحن ندرس تطبيق بروتوكول علاجي تجريبي، لكن المشكلة تكمن في ضرورة استقرار حالة نور أولاً.
قال طارق بسرعة وبلا تردد:
— افعل ذلك فورًا… مهما بلغت التكلفة!
أغلقتُ عينيّ؛ كان هذا بالضبط ما أخشاه.
أوضح الطبيب:
— الأمر لا يتعلق بالمال يا سيد طارق، بل بمدى قدرة جسد نور على تحمل هذا العلاج.
— إذن أحضر أي طبيب تحتاجه من أي مكان!
— سيد طارق…
— لقد استقدمتُ أطباء متخصصين من ثلاث دول لأجل ريم، وأستطيع جلب عشرات غيرهم لأجل نور!
ساد الصمت المكتب، ثم التفت طارق نحوي وقال:
— سأنقذها، سأفعل أي شيء.
تأملتُ وجهه لثوانٍ؛ قبل خمس سنوات، كانت هذه الكلمات لتجعلني أبكي امتنانًا، أما الآن فلم أراها سوى قسوة إضافية.
— تنقذ ماذا يا طارق؟
— أداويها!
— ليست كل الأشياء تُشترى بالمال.
تصلبت ملامحه:
— أنا أملك الإمكانيات والقدرة!
— وكنت تملكها في تلك الليلة أيضًا.
ألجمته كلماتي وأسكتته تمامًا.
بعد ساعتين، ظهرت “ريم”؛ كانت في كامل أنوقتها، بلمسات تجميل متقنة، ترتدي معطفًا فاخرًا يوازي سعره ربما كل ما كسبتُه من مال طوال العام الماضي. عرفتُها للوهلة الأولى، وهي كذلك عرفتني.
— سارة…
ابتسمت، ولم تكن السنوات الخمس قد غيّرت شيئًا من تلك الابتسامة التي تغلف الحدة بالنعومة.
— لم أكن أعلم أنكِ هنا.
— الآن علمتِ.
اتجهت نظراتها نحو غرفة نور:
— هل هي مريضة؟
لم أجبها. وفي تلك اللحظة خرج طارق من الغرفة، فأسرعت ريم ونشبت ذراعها بدفء في ذراعه:
— كنت أبحث عنك، الدكتور أندريه يريد مراجعة نتائجي قبل أن يسافر.