بعد فوات الأوان

تعرفتُ على الرقعة فورًا؛ فقد كانت في بيتنا طوال سنوات طفولتي.

قلتُ:

— ظننتُ أنها ضاعت.

مرر طارق أصابعه على خشبها المتهالك:

— احتفظتُ بها طوال هذه السنين.

خالجني شعور غريب، لم يكن عاطفة أو حنانًا، بل ربما حزن صامت؛ فهذا الرجل احتفظ برقعة شطرنج لمدة عشرين عامًا… لكنه كان قادرًا على التخلي عن ابنته وإضاعتها في لحظة غضب!

توقفت ريم عن الظهور، إلى أن جاءت في أحد بعد الظهر، ودخلت بينما كانت نور نائمة:

— أحتاج للحديث معكِ.

— لا.

— سارة، أرجوكِ!

كان هناك شيء مختلف في وجهها؛ كان الخوف يطل من عينيها.

— خمس دقائق فقط.

خرجنا إلى حديقة المستشفى، ولم تضيع ريم أي وقت:

— طارق يريد إلغاء زفافنا!

نظرتُ إليها باستغراب:

— ظننتُ أنكما متزوجان بالفعل.

— لم نتزوج قانونيًا أبدًا.

فاجأني هذا؛ فطوال سنوات كانت وسائل الإعلام تطلق عليها لقب “حرم السيد طارق المنصور”.

سألتُها:

— وما علاقتي أنا بهذا الأمر؟

— كل العلاقة! منذ أن وجدكِ، لم يعد إلى البيت، لا يعمل، ولا ينام، ولا يفكر إلا في نور!

— هذا سلوك طبيعي يستبد بأي شخص يكتشف أن ابنته قد تفارق الحياة!

عضت ريم على شفتها:

— لم أكن أعلم أنها مريضة إلى هذا الحد!

— ولم يكن الأمر يعنيكِ في شيء.

— سارة… ماذا تريدين مني؟

تساقط القناع عن وجهها أخيرًا، فقالت بضعف:

— أريدكِ أن تطلبي منه الرحيل والابتعاد عنكِ.

استمعتُ إليها بعدم تصدق:

— عفواً؟!

— نور تملككِ أنتِ، بينما أنشأتُ أنا وطارق حياة كاملة طوال خمس سنوات!

في تلك اللحظة، فهمتُ كل شيء؛ ريم لم تتغير، كانت هي ذاتها لم تتبدل.

— أتخافين أن تفقديه؟

— أنا أحبه!

— إذن كان عليكِ اختيار رجل لا يملك طفلة من قبل.

شحب وجهها كالموتى:

— أنتِ من أخذتها ورحلتِ!

— لأنها هو من طردني!

— ليس هذا ما حدث تمامًا…

تسمرتُ في مكاني:

— ماذا قلتِ للتو؟!

أشاحت ريم بنظرها بعيدًا:

— لا شيء.

أمسكتُ بذراعها بقوة:

— انطقي!

— سارة…

— انطقي قولي ما عندكِ!

اغرورقت عيناها بالدموع وقالت بصوت متهدج:

— طارق كان يظن أنكِ أنتِ من تسببتِ في حادثتي!

شعرتُ وكأن العالم قد توقف عن الدوران حول محوره؛ بالطبع! كان ذلك هو السبب! قبل خمس سنوات، سقطت ريم من أعلى السلم أثناء حفل عائلي، وكنتُ أنا أقف بالقرب منها، فادعت حينها أنني دفعتها، وصدقها طارق.

قلتُ لها:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *