بعد فوات الأوان

أغلق طارق الحاسوب وقال بصوت مبحوح:

— سارة…

— متى عثرت على هذه التسجيلات؟

— بالأمس.

— بعد فوات الأوان بخمس سنوات!

خفض رأسه وقال:

— نعم.

كانت هذه هي المرة الأولى التي لا يحاول فيها تبرير أفعاله:

— صدقتُ ما أردتُ تصديقه… كنتُ أعمى بالغضب، وكانت ريم تكرر على مسامعي دائمًا أنكِ تكرهينها…

— فقررتَ أنني قادرة على محاولة قتلها؟

— نعم.

— ثم قررتَ أن ابنتك تدعي المرض؟

ارتجفت يداه:

— نعم.

— ثم طردتنا وتخليت عنا؟

— نعم.

كانت كلمات الاعتراف هذه أشد إيلامًا من أي جدال.

استندتُ على الطاولة وقلت:

— والدي هو من وجدك عندما لم يكن أحد يريدك في هذا العالم.

أغلق طارق عينيه:

— أعلم.

— أطعمك من قوته.

— أعلم.

— رهن منزلنا الوحيد لأجل دراستك.

— سارة… أرجوكِ…

— وعندما أردتُ أنا الالتحاق بجامعة أخرى، تنازلتُ عن حلمي لأنه لم يكن هناك ما يكفي من المال لكلينا… هل تذكر ذلك؟

انحدرت دمعة على خد طارق؛ ولم أره يبكي طوال حياتي.

— أذكر كل شيء.

— والدي أحبك كابنه تمامًا!

— أعلم.

— وأنت تركتَ حفيدته المريضة تتلوى تحت المطر!

لم يستطع طارق الإجابة هذه المرة؛ سقط على ركبتيه أرضًا، ليس استعراضًا أو طلبًا للغفران، بل وكأن قدميه عجزتا عن حمله.

وكان يبكي بحرقة…

ظننتُ طوال سنوات أنني سأشعر بالتشفي والراحة إن رأيتُ هذه اللحظة؛ طارق يكتشف الحقيقة، طارق يندم، طارق يستوعب حجم ما أضاعه… لكنني لم أشعر بشيء، سوى بإنهاك يلف روحي.

قلتُ له:

— إنياني واقفا.

لم يتحرك، بل قال:

— سارة، امنحيني فرصة واحدة!

— لأجل ماذا؟

— لأصلح كل شيء!

— نور قد تفارق الحياة يا طارق!

تكسرت تعابير وجهه:

— لا تقولي هذا!

— أرأيت؟ أنت ما زلت تتبع نفس الأسلوب؛ عندما لا تعجبك الحقيقة، تحاول إنكارها! قبل خمس سنوات قررتَ أن نور تدعي المرض لأن ذلك كان أسهل على ضميرك من قبول فكرة مرضها، والآن تريد أن تقنع نفسك بأنك قادر على إصلاح كل شيء لأنك “طارق المنصور” الذي يحصل دائمًا على ما يريد!

اقتربتُ منه وقلت:

— لكن هناك أشياء لا يمكن للمال أن يعيدها أبدًا: الوقت… الصحة… والدي… طفولة نور… والحب الذي كنتُ أحمله لك يومًا ما.

بعد ثلاثة أيام، أصدرت ريم بيانًا علنيًا اعترفت فيه بجمع أكاذيبها بشأن حادثة السقوط، وتخلت عن أي ارتباط بشركة “آل المنصور”، ثم اختفت من حياتنا تمامًا. لم أعرف ما إذا كانت قد فعلت ذلك بدفع من العقاب، أم خوفًا من طارق، أم بنصيحة من محاميها… ولم يكن الأمر يعنيني في شيء؛ فالعقاب الحقيقي لم يكن موجهًا لها، بل كان لطارق، لأن ريم كذبت… لكنه هو من اختار أن يصدقها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *