بعد فوات الأوان
ابتسمت نور بضعف:
— أريد فقط أن أعرف إن كان يملك نفس الصوت الذي أذكره في مخيلتي.
في الصباح التالي، كان طارق يجلس على كرسي أمام غرفتنا، يرتدي نفس البدلة التي كان يرتديها بالأمس، ويبدو أنه لم يغادر المستشفى مطلقًا. عندما رآني، وقف بسرعة:
— كيف حالها؟
— تريد رؤيتك.
بدا وكأنه لا يصدق ما سمعه. دخل الغرفة بخطوات خائفة ومترددة. كانت نور مستيقظة، فاقترب من السرير:
— أهلاً…
— أهلاً.
ساد الصمت… كان منظرهما معًا عجيبًا؛ يملكان نفس العينين، ونفس الحركة الجادة أثناء التفكير.
تأملته نور بفضول:
— أمي تقول إنك أبي.
أغلق طارق عينيه لبرهة وكأنه يتألم:
— نعم… أنا هو.
— أين كنت؟
لم تكن نبرة نور تحمل أي عتاب أو قسوة، وهذا ما جعل السؤال أشد إيلامًا؛ كان سؤالاً بريئًا يبحث عن إجابة.
نظر طارق نحوي مستنجدًا، لكنني لم أتحرك لإنقاذه.
تأتأ قائلاً:
— ارتكبتُ… الكثير من الأخطاء.
— هل كنت تعمل؟
— أحيانًا.
— هل كنت تعيش في مكان بعيد؟
— لا.
— إذن… لماذا لم تأتِ أبدًا؟
بدأت عيناه تحمران بالدموع، وكانت هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أرى فيها طارق المنصور عاجزًا عن الإجابة عن سؤال!
لكن نور أنقذته بنفسها حين قالت:
— لا بأس.
رفع رأسه بذهول:
— بل كل البأس!
قالت بنبرتها الهادئة:
— أمي تقول دائمًا إننا لا نستطيع تغيير ما حدث وانتهى.
شعرتُ بانحباس أنفاسي؛ كانت هذه الكلمات هي ما أردده على مسامعها كلما أحست بالاحباط بعد أزمة صحية، ولم أكن أعلم أنها حفرت في ذاكرتها إلى هذا الحد.
أمسك طارق يدها بحذر شديد وكأنه يخشى أن تكسر:
— هل يمكنني القدوم لزيارتك غدًا؟
فكرت نور لثوانٍ ثم قالت:
— إن وافقت أمي.
نظر إليّ طارق، فأومأتُ برأسي… ليس لأجله، بل لأجلها هي.
خلال الأسبوعين التاليين، كان طارق يحضر كل يوم؛ ألغى اجتماعاته، وفوّض صلاحيات إدارة مشاريعه، ونقل جزءًا من طاقم عمله ليعملوا من المستشفى. بدأ موظفو شركة “آل منصور” يرونه هناك أكثر مما يرونه في مكاتب شركته.
لم تستغرق نور وقتًا طويلاً لتعيد الاعتياد عليه، ورغم أنها لم تناده بكلمة “أبي” قط، بل كانت تناديه “طارق”، إلا أنها بدأت تنتظر قدومه. كان يحضر لها الكتب، ويعلمها خدع الأوراق المالية، وفي أحد الأيام جاء ومعه رقعة شطرنج خشبية قديمة:
— جدُّكِ هو من علمني اللعب بهذه الرقعة.