بعد فوات الأوان
كنت أستشعر وجوده حتى دون أن أنظر إليه؛ فخلال سنوات زواجنا، تعلمت حفظ كل أنماط صمته: الصمت الذي يلوذ به عندما يكون غاضبًا، والصمت الذي يلفه حين يحسب خطوات تفاوضٍ ما، وذاك الصمت الخاص اللامحسوس الذي يعتريه عندما يبدأ الخوف بالنفاذ إلى قلبه.
قال أخيرًا بصوت خافت:
— سارة… ما بها نور؟
واصلتُ طي معطف ابنتي الصغير دون أن ألتفت:
— أخبرتك أننا لا نحتاج إلى شيء.
— لم أسألكِ إن كنتِ بحاجة لشيء، سألتُكِ ما الذي يعتريه جسد ابنتي؟
توقفت يداي عند تلك الكلمتين: “ابنتي”!
كم تبدو هينة وسهلة على لسانه الآن!
خمس سنوات كاملة لم يحاول خلالها حتى البحث عنها؛ لا مكالمة هاتفية، ولا التفاتة في عيد ميلاد، ولا في مناسبة، ولا حتى استفسار عابر عبر محامٍ… لا شيء مطلقًا. والآن، بعد أن رآها طريحة فراش المستشفى، عادت فجأة لتصبح “ابنته”!
التفتُّ إليه ببطء شديد:
— أتريد أن تعرف حقًا؟
— نعم.
— إذن اسأل نفسك أولاً: أين كنت طوال السنوات الخمس الماضية؟
أطبق على فكيه بصلابة:
— أنتِ من اختفيتِ!
— لأنك طردتني!
— أخذتِ نور وغادرتِ دون أن تخبريني بمكانكِ!
أطلقتُ ضحكة قصيرة ساخرة:
— يا لروعة ذاكرتك يا طارق! في تلك الليلة، أمرت أفراد الأمن بإلقاء حقائبنا خارجًا، وألغيت بطاقاتي المصرفية، واتصلت بكل المستشفيات الخاصة في المدينة لتخبرهم ألا يُسجل أي علاج باسمي على حسابك… والآن تأتي لتقول إنني أنا من اختفيت؟!
أظلمت عينانه:
— كان ذلك…
— خطأً في الفهم؟
لم يجب، بالطبع؛ إذ لم تكن هناك أي ذريعة في هذا العالم قادرة على تجميل ما حدث.
قُطع الحديث بصوت فتح الباب، حيث دخلت ممرضة بخطوات سريعة:
— يا مدام سارة، نور بدأت تستيقظ.
اقتربتُ من السرير على الفور، فتحت ابنتي عينيها ببطء شديد. كانت في الحادية عشرة من عمرها، لكنها في تلك اللحظة كانت تبدو أصغر بكثير.
— أمي…
مسحتُ على شعرها بحنان:
— أنا هنا يا حبيبتي.
رمشت نور عدة مرات، ثم وقعت عينها على طارق، فتصلب جسدها الصغير في الحال.
خطا طارق خطوة إلى الأمام:
— نور…
تشبثت يداها بيدي وهي ترتجف:
— أمي… من هذا؟
رأيت الشحوب يبتلع وجه طارق ويجرده من ألوانه. لم تكن نور قد نسيت أباها فحسب، بل إنها لم تكن تملك في ذاكرتها صورة واضحة عنه؛ فقد كانت في السادسة حين غادرنا، وتداخلت صور تلك الفترة في ذهنها بآلام الحمى، وأسرة المستشفيات، والكوابيس.