بعد فوات الأوان
لم يزح طارق عينيه عن غرفة نور:
— اذهبي أنتِ.
ترددت ابتسامة ريم:
— ظننتُ أنك ستأتي معي.
— لا أستطيع الآن.
تتبعت ريم اتجاه نظراته، وفهمت كل شيء:
— آها…
ثم ابتسمت مجددًا وقالت:
— بالتأكيد، فنور مهمة أيضًا.
كلمة “أيضًا”! قبل خمس سنوات كانت هذه الكلمة لتطعن قلبي، أما الآن فلم أكن أشعر سوى بالإرهاق.
قمتُ من مقعدي وقلت:
— لستما بحاجة للبقاء هنا.
ثبتت ريم نظراتها في عيني:
— سارة، ربما يجدر بنا أن نتحدث.
— ليس بيننا ما نتحدث عنه.
— بخصوص ما حدث في الماضي…
— ولا حتى عن الماضي.
هممتُ بإغلاق الباب، فقالت بصوت دافئ متصنع:
— والدكِ يرحمه الله لم يكن ليرضى أن تستمري في عيش حياتكِ بكل هذا الغل والحقد.
تجمدتُ في مكاني، وتصلب طارق أيضًا. التفتُّ إليها ببطء شديد:
— إياكِ وأن تنطقي باسم والدي على لسانكِ!
شحب وجه ريم:
— كنت أحاول فقط…
— قاطعـتُها بقسوة: توفي والدي وهو يعتقد أن طارق لن يسمح أبدًا بأن أصاب أنا أو نور بأذى. لو كان باستطاعته أن يخرج من قبره ليرى ما آلت إليه الأمور، لكان أول شيء يفعله هو الندم على اليوم الذي انتشل فيه طفلاً معينًا من عتبة ذلك القصر!
تغيرت تعابير طارق تمامًا، فتحت ريم فمها لترد، لكنني أغلقتُ الباب في وجهيهما.
في تلك الليلة، لم يطرق النوم جفني. وفي الثانية صباحًا، استيقظت نور:
— أمي…
— نعم يا حبيبتي؟
— هل ذلك الرجل هو أبي؟
شعرتُ بغصة تطعن صدري:
— لماذا تسألين؟
— لأنه يشبه الصورة.
طوال تلك السنوات، احتفظتُ بصورة عائلية واحدة؛ لم يكن ذلك لأجل طارق، بل لأجل نور، فقد كنت أؤمن أن لها الحق يومًا ما في معرفة قصتها كاملة.
اعترفتُ لها:
— نعم يا نور… إنه هو.
صمتت نور قليلاً، ثم سألت براءة موجعة:
— هل هو لا يحبني؟
— يا حبيبتي…
— لأنه لم يأتِ لزيارتنا أبدًا.
وقفتُ عاجزة عن الكلام؛ كان من السهل أن أكذب عليها، أن أتحجج بأنه كان مشغولاً، أو أنه ارتكب أخطاء، أو أن عالم الكبار معقد… لكن نور قضت سنوات طويلة بين الأطباء والأدوية، ولم تكن بحاجة لإضافة كذب أمها إلى معاناتها.
قلتُ لها:
— لا أعلم ما الذي يشعر به، لكنني أعلم يقيناً أنكِ لم ترتكبي أي خطأ.
أومأت برأسها، ثم سألت:
— هل يمكنني رؤيته غدًا؟
لم أكن أتوقع هذا السؤال:
— أترغبين في رؤيته؟
— مرة واحدة فقط.
— كما تشائين.