بعد فوات الأوان

في أحد الأيام، وبعد الانتهاء من مراجعة طبية، رافقني طارق إلى موقف السيارات:

— سارة…

التفتُّ إليه، فقدم لي ملفًا يحتوي على أوراق قانونية: منزل باسم نور، وصندوق طبي غير قابل للإلغاء، وأسهم في مجموعة “آل المنصور”، ورسالة.

— ما هذا؟

— ما كان يجب عليّ فعله منذ سنوات.

أغلقتُ الملف:

— لا يمكنك شراء غفرانها أو غفراني بهذه الأوراق.

— أنا لا أشتري شيئًا.

وللمرة الأولى، خلت نبرته من أي استعلاء:

— لا أتوقع منكِ أن تغفري لي، ولا أتوقع أن تعودي إليّ.

تأملته بتفحص:

— إذن، ماذا تريد؟

نظر نحو نور التي كانت تقف على بعد أمتار تحاول إقناع إحدى الممرضات بأن كلبها الخيالي بحاجة لفحص طبي، فابتسم وقال:

— أريد فقط أن أضمن ألا تتوقف حياتها مستقبلاً على ما إذا كنتُ أنا غاضبًا، أو متخبطًا، أو مخطئًا.

فاجأني هذا الرد؛ ربما لأنه استوعب شيئًا هامًا أخيراً: المال لا يمكنه إصلاح الماضي، لكن يمكن الكف عن استخدامه كسلاح!

وقعتُ الأوراق بعد أسابيع… ليس لأجل طارق، بل لأجل نور.

مرت سنتان أخريان، لم يطلب مني طارق خلالهما العودة إليه قط. وفي إحدى المرات حاول الاعتذار رسمياً، فأوقفته:

— لقد سمعتك سلفاً.

— لم أقل كل شيء بعد.

— لستُ بحاجة لسماع كل شيء.

نظر إليّ مليًا وقال:

— هل ستتمكنين من مسامحتي يوماً ما؟

فكرتُ قبل أن أجيب:

— ربما فعلتُ ذلك بالفعل.

أضاءت عيناه ببريق أمل خافت، فأكملتُ كلامي:

— لكن المسامحة لا تعني العودة.

انطفأ البريق في عينيه مجدداً:

— أعلم.

— ولا تعني النسيان أيضاً.

— أعلم.

— إنها تعني فقط أن ما فعلته لم يعد يتحكم في حياتي أو يديرها.

خفض طارق رأسه، ثم ابتسم بحزن:

— أظن أن هذا أكثر مما أستحقه.

لم أرد، فلربما كان محقاً في ذلك.

احتفلت نور بعيد ميلادها الرابع عشر في الربيع، وطلبت أن تقيم الحفل في حديقة المنزل الذي اشتراه والدي منذ عقود، والذي استعاده طارق لاحقاً؛ حيث كان قد رمم كل غرفة مع الحفاظ على الأثاث الأصلي، بل إنه احتفظ بخط القلم على الجدار حيث كان والدي يقيس طولنا ونحن أطفال:

“سارة، 10 سنوات”

“طارق، 12 سنة”

عثرت نور على تلك العلامات وسألت:

— هل كنتما تعيشان معاً هنا؟

— نعم.

— إذن، هل كان بابا بمثابة أخيكِ؟

سكبتُ القهوة بالخطأ من الصدمة، ومن الطرف الآخر من المطبخ، كاد طارق أن يسقط الطبق من يده!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *