بعد فوات الأوان

بدأت نور تضحك:

— كنتُ أمزح فقط!

نظر كل منا إلى الآخر، وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، ضحكنا كلينا.

لم نكن زوجين، وربما لن نعود كذلك أبداً؛ كنا شخصين يجمعهما تاريخ أطول من اللازم، وجراح كثيرة، وابنة قررت أن تواصل الحياة… وكان ذلك كافياً.

في تلك الليلة، وبعد انتهاء الحفل، وجدتُ طارق يجلس بمفرده في الشرفة، بينما بدأ المطر يهطل برفق. مدّ لي مظلة وقال:

— المطر سيزداد.

نظرتُ إليه، وللحظة عدتُ بالزمن خمس سنوات إلى الخلف: امرأة يائسة، طفلة مريضة، باب مغلق، وعاصفة مطرية…

ثم تذكرتُ شيئاً كنتُ قد فكرتُ فيه يوم التقينا مجدداً في المستشفى: “عندما ينتهي المطر، لا يعود إحضار المظلة ذا معنى.”

لكنني الآن أدرك أن ذلك لم يكن صحيحاً تماماً؛ فبعض المظلات تصل متأخرة عن حمايتك من العاصفة، لكن هذا لا يعني أن عليك أن تعيش طوال حياتك تحت زخة المطر!

أخذتُ المظلة منه، فرفع طارق رأسه بدهشة.

قلتُ له:

— شكراً.

فقط هذه الكلمة: شكراً… لم أقل “سامحتك”، ولا “أحبك”، ولا “لنعد ونحاول مجدداً”… بل مجرد “شكراً”.

مشيتُ نحو الحديقة، فظهرت نور تركض من الباب:

— أمي! بابا! تعاليا وانظرا إلى هذا!

قام طارق واقتربنا معاً. كانت نور قد عثرت على صندوق صور قديم لوالدي، وفي إحدى الصور كنا نحن الثلاثة منذ سنوات طويلة: والدي في الوسط، وطارق المراهق على جانب، وأنا على الجانب الآخر.

وعلى ظهر الصورة كانت هناك عبارة مكتوبة بخط يد والدي:

“العائلة ليست هي مجموعة الأشخاص الذين لا يخطئون أبداً، بل هم أولئك الذين يقبلون – طالما أن الوقت لم يفت بعد – ألا يتخلوا عن بعضهم البعض.”

قرأ طارق العبارة، فامتزجت عيناه بالدموع.

نظرتُ إلى نور: حية، تبتسم، وخدودها ممتلئة بالحيوية… وحينها فهمتُ شيئاً: والدي كان محقاً وفي نفس الوقت لم يكن كذلك؛ فهناك أخطاء تهدم العائلات، وهناك جراح تغير للأبد ما يمكن أن يكون عليه شخصان لبعضهما، وهناك تخلي لا تستطيع أي اعتذارات محوه.

لكن هناك أيضاً فرص ثانية لا علاقة لها بإعادة بناء الزواج؛ فطريق الاستدراك لم يعد لطارق الزوجة التي أضاعها، وأنا لم أعد أبداً تلك المرأة التي كانت مستعدة للتضحية بأي شيء لأجله… ذلك الحب مات في تلك الليلة تحت المطر، وكان ذلك أمراً حسناً، لأن شيئاً مختلفاً حل محله: المسؤولية، الاحترام، نوع هادئ من المودة، وقبل كل شيء… فرصة جديدة لنور.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *