حمايا ضربني- منى السيد ٤

## الفصل الخامس: الحساب الأخير.. وشمس الحقيقة
القاعة كانت مبهورة بالأنوار، وريحة البرفانات الغالية والسيجار الفاخر كانت ماليّة المكان. منصور السيوفي كان واقف على المنصة، رافع مناخيره للسما، بيبتسم للكاميرات، وبيبدأ كلامه عن “الأمانة” و”النزاهة” في الاستثمار، وصوته الرخيم بيتردد في القاعة وكأنه صوت إله من آلهة الاقتصاد في مصر.
أنا وأحمد وأبويا كنا واقفين في آخر القاعة، متخفيين وسط الحضور. أحمد كان ماسك تليفونه، صوابعه بتتحرك بسرعة البرق على الشاشة، بيجهز “القنبلة” اللي هنرميها في وشه. أنا كنت حاسة إن قلبي بيخبط في ضلوعي لدرجة إني خايفة الناس اللي جنبي يسمعوه، لكن جوايا نار باردة.. نار حد بياخد تاره.
منصور بدأ يوصل لذروة خطابه:
— “الاستثمار الحقيقي مش بس أرقام ومكاسب، الاستثمار الحقيقي هو الالتزام بالقيم، والبدايات اللي أساسها الشرف…”
في اللحظة دي، أحمد بص لي وغمز. ضغط على زرار “ارسال” في تليفونه، واللي كان متوصل بالسيستم بتاع القاعة، وبلمح البصر، الشاشة العملاقة اللي ورا منصور اتغيرت من لوجو الشركة لصور العقود المصورة، ومستندات التزوير، وصور التحويلات البنكية المشبوهة، وفوقهم بخط أحمر عريض: **”منصور السيوفي: إمبراطورية بُنيت على أرض مسروقة وتاريخ مزور!”**
الصمت اللي حلّ في القاعة كان صمت مرعب، صمت الناس اللي مذهولة ومصدومة. منصور السيوفي لف وشه للشاشة، وعيونه اتسعت لدرجة إنها كادت تخرج من مكانها. وشه بقى أبيض زي الكفن، والمايك اللي في إيده وقع على الأرض وطلع صوت “خبطة” رنانة خلت الكل يترعب.
الصالة انقلبت فوراً. الصحفيين بدأوا يصوروا الشاشة، والوزراء والمستثمرين اللي كانوا بيسمعوه بقوا يبصوا له بقرف وذهول.
أنا مكنتش هكتفي بكده.. مشيت بخطوات ثابتة ناحية المنصة. الناس بدأت تفسح لي الطريق، كأني في موكب جنائزي، بس كان موكب نصر. طلعت على السلم، وقفت جنبه، وبصيت في عيونه اللي كانت بتترعش من الرعب.
مسكت المايك التاني اللي كان موجود، وصوتي طلع واثق وقوي، صدى صوته ملأ القاعة:
— ده مش مجرد استثمار يا سيوفي بك.. دي سرقة عيني عينك! مش أنت كنت بتتكلم عن القيم؟ أهو تاريخك كله قدام الناس، أرض الدولة اللي زورتها من ٢٠ سنة، وحياة الناس اللي دمرتها عشان توصل للكرسي اللي أنت قاعد عليه ده!
منصور حاول يهمس لي بصوت مخنوق ومذعور:
— دينا.. بلاش.. هعملك اللي إنتِ عايزاه.. هكتب لك اللي تطلبيه.. إحنا ممكن نتفق..
ضحكت.. ضحكة سخرية، المايك نقلها لكل واحد في القاعة:
— نتفق؟ فات الأوان يا منصور. أنت اللي علمتني إن اللي بيحب يلعب مع الكبار لازم يكون مستعد يحرق المركب كلها. النهاردة، المركب اللي بنيتها على ج*ثث الناس وقعت، وأنت اللي هتغرق فيها.
في اللحظة دي، أبواب القاعة اتفتحت، ودخلت قوة من “مباحث الأموال العامة” ومعاهم أوامر ضبط وإحضار. الضباط قربوا من المنصة، ومنصور السيوفي اللي كان من دقايق إمبراطور القاعة، بقى مجرد متهم محطوط في إيده الكلابشات، ووشه اللي كان بيترفع للسما، بقى باصص للأرض في ذل وانكسار.
أحمد قرب مني، وبص لي بنظرة كلها اعتذار، ومسك إيدي، بس أنا سحبت إيدي بهدوء.. نظرة الوداع كانت في عيني.
— أحمد.. شكراً على اللي عملته النهاردة، أنت قفلت الصفحة اللي كان لازم تتقفل. بس أنا وأنت.. إحنا خلاص مابقتش قصتنا واحدة. أنت محتاج تبدأ حياتك من جديد بعيد عن كذب عيلتك، وأنا محتاجة أعيش حياتي اللي سرقتها مني الظروف.
أحمد هز راسه بأسف، ودموعه كانت حقيقية:
— عندك حق يا دينا.. أنا آسف على كل لحظة تعب عيشتيها بسببي. أتمنى تسامحيني.. مش عشان نرجع، بس عشان أعرف أعيش.
بصيت له وابتسمت ابتسامة خفيفة:
— مسامحاك يا أحمد.. بس مش هرجع.
خرجنا من الفندق، والهوا كان بيضرب في وشنا، شمس القاهرة كانت طالعة مشرقة، وبصيت للسما وحسيت إني بتنفس هواء حر لأول مرة في حياتي.
أبويا حضنني، وكان بيبكي من الفرحة:
— رفعتِ راسي يا دينا.. طلعتِ أحسن من أي راجل، وعلمتيهم إن الحق مش بالدراع، الحق بالذكاء والشجاعة.
أمي كانت مستنيانا قدام الفندق، أول ما شافتني جريت عليّ وضمتني وهي بتزغرد.. المنطقة كلها عرفت اللي حصل في المؤتمر، والجيران اللي حماتي كانت بتكذب عليهم، استقبلونا كأننا أبطال.
بعد أسبوع، القضايا كانت خلصت، والسيوفي اتحبس، وعمارة الشاذلي اتصادرت لحساب الدولة، والحق رجع لأصحابه. أنا وقفت قدام مراية أوضتي، بصيت لوشي اللي كان مطبوع عليه أثر “قلم” زمان، ولقيت الأثر ده مش مجرد جرح، ده كان “علامة انتصار”.
حياتي مكنتش سهلة، والجوازة اللي بدأت بـ “طشت هدوم” انتهت بدرس قاسي لكل اللي فكر إن الست ضعيفة.
أنا دينا عبد الحميد، مديرة التسويق اللي ما بقاش فيه حاجة تسوقها غير طموحها، ولا حاجة تخاف منها. الس*كينة اللي دقيتها في الترابيزة يوم الفرح، مكنتش مجرد تهديد.. كانت إعلان استقلال.. استقلال عن مجتمع، وعن عيلة، وعن خوف..
أنا دلوقتي حرة.. حرة بجد. وبكره.. بكره هيكون بداية جديدة خالص، بداية مفيش فيها غير أنا، وطموحي، والس*كينة اللي بقت جوه قلبي.. بتحمي حقي، وتصون كرامتي، وتذكرني دايمًا إني لا يمكن أكون خدامة.. لأي حد.
وقفت في البلكونة، بصيت للقاهرة وهي بتصحى، وأخدت نفس عميق.. الدنيا لسه مليانة حكايات، وأنا بقيت بطلة حكايتي.. وبطلة حكايتي دي، مش ممكن تنتهي إلا بكلمة: “أنا انتصرت.. وأنا كسبت نفسي، وده أهم مكسب في الدنيا.”
**تمت بحمد الله.**

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *