نصفني ابني

: القصة الكاملة حصري روايات رولا
​الفصل الأول: النخب اللي دمر كل حاجة
​صالة الفيلا الكبيرة بتاعتنا في التجمع كانت زحمة لدرجة إنك متقدرش تاخد نفسك من غير ما تشم ريحة البرفانات الغالية والأكل الفخم. المكان كان ماليان بدفا العيلة، صوت كاسات الكريستال وهي بتخبط في بعضها، وضحكات القرايب اللي متجمعين عشان يحتفلوا. حتة اللحمة الحمرا الصغيرة، البيبي الضعيف اللي كنت بحضنه زمان في صدري عشان أدفيه بجسمي، كبر في غمضة عين وبقى راجل طول بعرض عنده 25 سنة.
​ابني “كريم” كان لابس قميص أبيض شيك جداً، وماشي وسط التربيزات بكل ثقة وكاس العصير في إيده.
​سكت كريم وبدأ يتكلم بصوت رخيم وهادي، خلى الصالة كلها تسكت في ثانية: “عمامي، خيلاني، وكل قرايبي.. بشكركم من كل قلبي إنكم منورني النهاردة. أرجوكم، كلوا واشربوا وانبسطوا على الآخر.”
​أخويا الكبير ضحك من قلبه وخبط على كتف كريم وقال وهو بيبص لي: “يا كاميليا، إنتي اللي منورة القاعة دي النهاردة.. إنتي اللي ربيتي راجل لسه راجع بشهادة الماجستير المزدوجة من جامعة (MIT). الـ 25 سنة اللي فاتوا من عمرك وتضحيتك مستخسروش فيه ثانية واحدة.”
​كنت واقفة في الزاوية، بظبط فستاني الحرير، وابتسامة خخجولة على وشي: “تسلم يا خويا، ده من ذوقك.. بس إني أشوفه بيكبر قدامي بصحة وعافية وراجل محترم، ده أكبر فخر ليا في الدنيا.”
​طنط قاعدة على التربيزة اللي جنبنا هزت راسها وهي بتمسح دموعها: “النصيب ده أغرب وأجمل حاجة في الدنيا.. لسه فاكرة الليلة الشتا اللي كانت كلها مطر وعاصفة كأنها امبارح. “حاتم” دخل من باب البيت غرقان مية، وهو شايل في إيده لفة فيها بيبي صغير وبيقسم إنه لقاه مرمي في خرابة والتلج مغطيه. وإنتي يا كاميليا كنتي لسه راجعة من دكتور الخصوبة وقايلك إن مفيش أمل في الخلفة، وكنتي عيطتي لحد ما دموعك جفت. بس أول ما شيلتي الكائن الصغير ده بين إيديكي، دموعك وقفت.. الدم مش هو اللي بيعمل الأم يا كاميليا، الحب هو اللي بيعملها.”
​لقيت غصة في حلقي والذكريات رجعتلي بكل تفاصيلها.. ريحة الهدوم المبلولة، وإيدين حاتم اللي كانت بتترعش من الساقعة وهو بيمدد البيبي في حضني ويهمس في ودني: “بما إننا مش هنخلف.. ربنا رحم قلوبنا وبعت لنا ده. سيبك من الشغل يا كاميليا، اقعدي بيه وربيه.. وأنا هحت في الصخر عشان أأمن ليكم عيشتكم.. بوعدك.”
​بالوعد ده بس، نزلت شركتي تاني يوم الصبح وقدمت استقالتي.. ضحيت بمستقبلي المهني بكل رضا عشان أدخل في دوامة الحفاضات، وتحضير الرضعات الساعة 3 الفجر، والسهر جمبه وهو سخن في المستشفيات.. كل ده عشان جوزي يركز في شغله ويطلع السلم براحته. وفعلاً طلع، وبقى رئيس مجلس إدارة شركة استيراد وتصدير ضخمة.
​”ثواني يا جماعة.. من فضلكم اسمعوني.”
​صوت خبط الشوكة في الكاس قطع حبل أفكاري.. جوزي “حاتم” كان واقف جمب الدفاية، لابس بدلة رمادي متفصلة عليه بالملي، ووشه أحمر شوية من الشرب. الصالة كلها سكتت تماماً، وكل العيون اتوجهت لـ “كبير البيت”.
​بصيت له بابتسامة هادية، بس حاتم مكنش بيبص لي.. عينيه كانت باصة من فوق راسي، ومركزة على باب الفيلا الكبير.
​حاتم كمل كلامه وصوته كان قوي ومسموع في الهدوء ده: “بمناسبة اليوم الجميل ده والنجاح اللي حققه ابننا، عايز أعلن حقيقة كبيرة قدام العيلة كلها.”
​في نفس اللحظة دي، ظهر صوت خبط كعب عالي على أرضية الرخام.. دخلت ست في الأربعينات من عمرها، لابة فستان ضيق جداً لونه نبيتي، وشعرها معمول سشوار مفيش فيه غلطة، وروج أحمر فاقع. ريحة برفانها المستورد غطت على ريحة الأكل تماماً.
​حسيت الأرض بتلف بيا.. دي “دينا شاكر”، صاحبة مركز تجميل مشهور في الزمالك.. كنا بنتقابل بالصدفة في السوبر ماركت وبنسلم على بعض بابتسامات مجاملة ملهاش معنى.
​حاتم مشي بسرعة ناحيتها، وقدام نظرات الذهول من عيلتي كلها، مسك إيدها بكل فخر وضمها لجنبه وقال: “أنا وكاميليا بنطلق رسمي.”
​الكاس وقع من إيد خالي واتفشخ مية حتة على الأرض.. الهوا في الأوضة اتحول لتلج في ثانية.
​”حاتم؟” اتكلمت وأنا بترعش ورجلي مش شيلاني.. رعب غريب كلبش في بطني: “أنت سكران؟ إيه الهزار البايخ ده؟”
​حاتم ضحك ضحكة صفرا مفيهاش أي رحمة.. عمري ما شفت الوش ده منه في 25 سنة جواز: “أنا فايق جداً.. ورق الطلاق ممضي وجاهز على مكتبي. الفيلا دي أنا شاريها بفلوسي من قبل ما نتجوز.. لمي هدومك واطلعي منها قبل يوم الجمعة.”
​”ليه؟” صرخت والدموع خلاص نزلت مش عارفة أوقفها.. بصيت لكريم اللي كان واقف جمب البوفيه ومثبت عينيه بشكل يخوف: “وطيب وكريم؟ أنت كدة بتتخلى عننا إحنا الاتنين؟”
​دينا ميلت راسها على كتف حاتم، وهي بتبعد خصلة شعر من على وشها.. ابتسامتها كانت تخلي جسمي يقشعر، ولما اتكلمت كان صوتها ماليان سم في عسل:
“يا كاميليا.. أنا بجد بشكرك من كل قلبي. طول السنين دي كنتي مهتمة بابني كريم ببلاش.. كأنك دادا مقيمة معاهم ومبتخدش مرتب. أنا كان عندي ظروفي زمان واضطريت أسيبه لحاتم.. بس الصراحة إيدك مبروكة، ربيتي ابني الحقيقي وبقى راجل ملو هدومه ومستقبله مضمون.. جه الوقت بقى إننا نرجع لبعض ونبقى عيلة حقيقية.. رجعيلي ابني لو سمحتي.”
​الدم جمد في عروقي.. عيلة حقيقية؟ ابنها الحقيقي?
​جريت على جوزي زي المجنونة ومسكت في ياقة بدلته الغالية: “إنتي كدابة! أنت قولتلي إنك لقيته في خرابة! إيه الملعوبة القذرة اللي بتلعبوها عليا دي؟”
​”ابعدي عني!” حاتم زعق وزقني بكل قوته.
​الزقة طيرتني لورا.. كتفي خبط في طرف تربيزة الأكل، ووقعت على الأرض الصلبة.. الأطباق الصيني وقعت فوقي واتكسرت مية حتة. آخر نقطة كرامة لست ضحت بكل حاجة لمدة 25 سنة اتدمرت في لحظة.
​حاتم نفض ياقة بدلته وبص لي تحت رجليه كأني حشرة: “الملعوبة دي هي العيشة اللي إنتي عيشتيها.. كريم ابني الشرعي من دينا. وبما إنك ست عاقر ومبتخلفيش، فكان كرم مني إني سيبتك تعيشي دور الأم. لو مكنتش جبت ابني البيت، عمرك ما كنتي هتعرفي إحنا بنحس بإيه لما نكون أمهات.. بلاش بقى تعملي شو درامي رخيص.”
​الصالة انقلبت، وقرايبي بدأوا يزعقوا ويثوروا.. بس أنا مكنشت سامعة حاجة. كلام حاتم كان زي الإزاز المكسور بيقطع في صدري. 25 سنة.. شغلي اللي سبته.. الليالي اللي سهرتها.. كل ده كان فخ؟ أنا كنت مجرد حضانة ببلاش لخيانتة؟
​عضيت شفايفي لحد ما طعم الدم ملا بوقي، ورفعت عيني المليانة دموع عشان أبص لكريم.. الولد اللي حطيت فيه حتة من روحي.. يا ترى بعد الحقيقة المرة دي، هيختار الست الغلبانة اللي بتعيط على الأرض، ولا هيجري ورا أمه الحقيقية وأبوه الغني؟
​كريم حط كاس العصير على التربيزة، ووشه كان زي الحجر مفيش فيه أي تعبير، وخد خطوة بطيئة وثابتة لقدام.
​الفصل الثاني: خراب المهندس
​كريم مكنش خايف، ومكنش متفاجئ.. مشي وعدى من جمب إيدين حاتم اللي كانت ممدودة ترحب بيه وكأنه هوا.. بخطوات واسعة وثابتة، جه عليا علطول. نزل على ركبته وسط الإزاز المكسور، وحضن كتفي الواجعني بإيديه القوية، وشالني بكل سهولة وقفني على رجلي.. وبدأ ينفض التراب من على بلوزتي الحرير بالراحة.
​”أمي.. افردي ضهرك وارفعي راسك فوق،” صوت كريم القوي رن في المكان، وكان ثابت زي دقات القلب: “إنتي أعظم ست في الدنيا دي.. ومفيش أي سبب يخليكي تتكسري قدام ناس زبالة زي دول.”
​حاتم جمد في مكانه، وإيديه لسه متعلقة في الهوا.. ووشه بدأ يتحول من اللون الباهت للأحمر الغامق من كتر العصبية: “أنت يا واد يا قليل الأصل! أنت بتقول إيه؟ أنا أبوك اللي جبتك الدنيا! ودينا دي من دمك ولحمك! أنت فاكر لما خدت شهادة نظيفة يبقى ليك الحق تعض الإيد اللي أكلتك؟”
​كريم وقف قدامي، وحمى جسمي بضهره العريض كأنه حيطة سد: “أبويا? الكلمة الشريفة دي متطلعش من بوق واحد طفيلي زيك.”
​بكل برود، كريم طلع تليفونه من جيبه وفتح الشاشة: “أنتم الاتنين كنتوا فاكرين إن المسرحية الرخيصة بتاعتكم دي ملهاش غلطة؟ من تلات سنين، قبل ما أسافر بوسطن، عديت على مركز التجميل بتاع دينا عشان أسيب لها ورق ضرائب أنت نسيته في العربية يا حاتم.. تحبوا تعرفوا أنا سمعت إيه؟”
​الغرور اللي كان في وش حاتم اختفى في ثانية، وعينيه بدأت تروح وتيجي ناحية الباب بتوتر.
​كريم داس على زرار التشغيل، وعلا الصوت على الآخر.. صوت وش، وبعدها طلع صوت دينا وهي بتتكلم بدلع:
“طيب هنعمل إيه؟ كريم بقى عنده 22 سنة وداخل على (MIT).. أنا مش قادرة أشوفه وهو بيقول للغباء اللي اسمها كاميليا ‘يا ماما’ تاني.. جه الوقت بقى ناخده.”
​وبعدها طلع صوت حاتم، وكان صوته ماليان خبث وندالة لدرجة تخلي شعر الجسم يقف:
“أنتي غبية؟ لو كنا خدناه وهو بيبي وبيصرخ، مين اللي كان هيصحى بليل يرضعه؟ مين اللي كان هيقعد بيه في الطوارئ لما يسخن؟ وهي مشغولة بتأدية دور الأم، أنا كبرت الشركة وأنتي حافظتي على جسمك وعيشتي حياتك من غير وجع دماغ. إننا نسيب الست العاقر تربيه كانت أحسن لقطة عملتها.. أول ما ياخد الشهادة ومستقبله يتأمن، هنقوله الحقيقة.. وبكدة نبقى خدنا ابن ناجح على الجاهز ومن غير تعب التربية.. عصفورين بحجر واحد.”
​الصالة انقلبت خناق ودعك.. أخويا الكبير خبط بإيده على التربيزة وشاور بصباعه في وش حاتم: “أنت أوسخ من الحيوان! تضحك على مراتك اللي صاينالك بيتك وتخليها تربي ابن عشيقتك ببلاش! أنت معندكش دم؟”
​دينا بدأت ترجع لورا ووشها اتقلب أبيض، وقرايبي بدأوا يشتموها بأقذر الشتايم. حاتم جاله هلع وجري عشان يتفش تليفون كريم، بس كريم زق إيده بكل قسوة.
​كريم تف على الأرض وبص لهم بقرف: “هي دي بقى محبة الأهل اللي كنت لسه بتتفشخر بيها؟ أنت أهنت أومي الحقيقية اللي ضحت بشبابها عشاني.. من اللحظة دي، أنا معنديش أب.. عيلتي الوحيدة هي الست اللي واقفة ورايا دي: كاميليا المنياوي.”
​حاتم بدأ يصرخ زي الحيوان المحبوس، والتف بيطير من بوقه: “ماشي! مش هتشوفوا مني مليم واحد! اطلعي برة بيتي! الفيلا دي باسمي! هرميكم في الشارع عشان أشوف شهادة الماجستير دي هتعملكم إيه!”
​”ومين بقا اللي قالك إن البيت ده بتاعك؟”
​صوت قوي وله هيبة طلع من عند الباب.. الناس وسعت، ودخل راجل في الستينات، شايل في إيده شنطة جلد سودا قديمة.. ده كان “المستشار عادل رأفت”، محامي العيلة وصديق أبويا الله يرحمه.
​أول ما شفته حسيت إن طوق النجاة جالي.. عيطت من الفرحة.. كريم كان بيرتب معاه من تلات سنين في السر.
​المستشار عادل مشي لحد تربيزة الإزاز، فتح شنطته، ورما ملفات تقيلة على التربيزة.. خبطتها عملت صوت زي شاكوش القاضي.
​”حاتم.. باين كدة إن جالك زهايمر ومفتكرتش مين اللي مول إمبراطوريتك الفاشلة دي،” عادل قالها بكل برود: “من 25 سنة، أنت كنت مجرد موظف غلبان.. أبو كاميليا باع أرضه في البلد عشان يشتري الفيلا دي ويديك راس المال اللي بدأت بيه شركة الاستيراد والتصدير.. حصل ولا محصلش؟”
​حاتم رد بعصبية بس صوته كان بيترعش: “العقد باسمي أنا لوحدي! دي أملاك من قبل الجواز! متهددنيش بقوانين من دماغك!”
​المستشار عادل ضحك ضحكة باردة: “العقد باسمك.. بس أنت نسيت إيصال الأمانة وعقد القرض الموثق اللي مضيت عليه. الورق ده بيقول إن الفلوس دي كانت قرض مشروط.. وفي بند خيانة زوجية يا حاتم.. البند ده بيقول إن كل الأملاك اللي اتعملت براس المال ده—يعني الفيلا دي وكل أسهم شركتك—ترجع فوراً لكاميليا في حال إنك خنتها.”
​الدم هرب تماماً من وش حاتم، ورجع لورا لدرجة إن ركبته خبطت في الكرسي.
​المستشار عادل ورا له الضربة القاضية: “ومش بس كدة.. كريم جابلي كل الحسابات الداخلية للشركة.. في آخر 5 سنين، أنت اختلست 2.5 مليون دولار من الشركة عشان تشتري للشنيعة دي شقة دوبلكس في الزمالك. قضية الاختلاس، وخيانة الأمانة، وتفعيل بند الخيانة الزوجية اترفعت امبارح الصبح.. الفيلا دي خلاص بقت ملك كاميليا.. واللي هيترمى في الشارع هو أنت.”
​أول ما سمعت كلمة “اختلاس”، دينا جمدت في مكانها.. بصت لحاتم، رئيس مجلس الإدارة اللي كانت بتمص دمه، ولقته خلاص بقى ميت إكلينيكياً.
​بس حاتم مكنش هيستسلم بسهولة.. كان مخبي كارت أخير قذر، فاكر إنه هيبرر له كل اللي عمله.
​الفصل الثالث: الوارث المزيف
​بعد شهرين من العذاب، المحكمة كانت خنقة ومعقمة.. كنت قاعدة في هدوء عند تربيزة المدعي، وإيدي العرقانة ماسكة في بعضها.. وكريم قاعد جمبي بيطبطب على إيدي من وقت للتاني، بيبعت لي قوة من غير كلام.
​عند التربيزة التانية، حاتم كان لابس بدلة سودا بتلمع، وبيحاول يظهر بمظهر المغرور.. ووراه في قاعة المحكمة كانت قاعدة دينا، بتبص لي بنظرات شماتة وغل.
​محامي حاتم وقف وبدأ يقلب في الورق: “سيادة القاضي.. الادعاء بأن مدام كاميليا عملت قيمة اقتصادية ده كلام فارغ.. دي كانت ست بيت ومبتشتغلش.. سحب الشركة من موكلي يعتبر انتهاك لحقوق الملكية.”
​حاتم ابتسم وبص لكريم وقال بصوت واطي: “وريني بقى الورقة القديمة دي هتعملكم إيه.”
​المستشار عادل وقف بالراحة وظبط نظارته: “سيادة القاضي.. إحنا مش جايين نناقش القيمة المادية لتضحية الأم.. إحنا هنا عشان نناقش جناية سرقة واختلاس.” وحط كشف حسابات بنكية قدام القاضي: “حاتم الألفي اختلس 2.5 مليون دولار من شركة موكلتي شريكة فيه.. وحول الفلوس دي علطول لحساب دينا شاكر عشان يصرف على ملاذتها.”
​الناس في القاعة بدأت تتكلم، وحاتم خبط على التربيزة: “أنا مختلستش حاجة! دي كانت أرباحي الشرعية! ولو كنت ببعت فلوس لدينا، فده كان نفقة ابني! لما كريم تم 6 سنين، دينا قالتلي إنها خلفت ابني التاني ‘مازن’.. هو في قانون بيمنع الواحد يصرف على ابنه من دمه ولحمه؟”
​دينا اتنفضت من مكانها ووشها بقى زي الرماد.. وبدأت تشد في جاكيت حاتم وتوشوشه بعصبية: “أنت اتجننت؟ بتجيب سيرة مازن ليه النهاردة؟”
​حاتم زعق فيها وزقها: “اسكتي أنتِ.. أنا بحمي فلوسنا.”
​في اللحظة دي، المستشار عادل ضحك ضحكة قوية: “كنت بتدفع نفقة لابنك؟ قول لي يا حاتم.. أنت عملت تحليل (DNA) قبل كدة؟ ولا صدقت كلامها وخلاص؟”
​حاتم رد بغباء وثقة عمياء: “دينا مكنتش بتبص لحد غيري! وأنا من شكل الواد عرفت إنه ابني!”
​المستشار عادل قال: “في الحالة دي يا سيادة القاضي.. إحنا بنطلب شهادة شهود المفاجأة: الأستاذ جابر، ومازن.”
​الباب الكبير بتاع المحكمة اتفتح.. دخل راجل في الخمسينات من عمره، شعره مصبوغ أخضر بشكل مقرف، ودراعاته كلها تاتو قديم، ووراه شاب ملامحه زعلانة.
​دينا صرخت صرخة مكتومة: “لا! أنتم إيه اللي جابكم هنا؟!”
​جابر، اللي كان باين عليه إنه شارب حاجة رخيصة، اتكلم في المايك: “أنا جابر، طليق دينا.. والواد ده مازن ابني الحقيقي. من 20 سنة دينا سابتني، ومن ساعتها وهي بتديني فلوس عشان أقفل بوقي.. قالت لي إنها مغلية مغفل اسمه حاتم ومفهماه إن مازن ابنه عشان تاخد منه مصاريف ونفقة.”
​حاتم جمد في مكانه كأن صعقة كهربا ضربته في نفوخه.. عينيه طلعت لبرة.. لف ورفع إيده على دينا ومسكها من فستانها وزعق: “أنتي ضحكتي عليا؟! أنا كنت هتدخل السجن عشان أصرف على ابن واحد صايع؟!”
​دينا قعدت تعيط وتصرخ: “كنت محتاجة الفلوس! بس أنا بحبك أنت!”
​حاتم ضربها بالقلم على وشها قلم قوي.. دينا وقعت على أرض المحكمة.. الدنيا اتقلبت، وعساكر المحكمة جريوا على حاتم وكلبشوه على التربيزة.
​كريم وقف وبص له ببرود: “كنت فاكر نفسك المهندس اللي بيخطط لكل حاجة يا حاتم.. بس أنت طلعت مجرد مكنة (ATM) لابن راجل تاني.. عقابك جه في وقته.”
​القاضي خبط بالشاكوش، وحكم علطول لصالحنا.. كل الأملاك والأسهم بقت باسمي. ولما حاتم كان خارج من المحكمة، كان في اتنين ظباط من مباحث الأموال العامة مستنيينه بالكلابشات.. اختلاس وتزوير شركات.
​والكلابشات بتقفل على إيده، حاتم بص لي والدموع في عينيه: “كاميليا.. عشان خاطر الـ 25 سنة اللي عشناهم مع بعض.. اطلبي لي الرأفة.”
​ظبطت ياقة بلوزتي الحرير وبصيت له كأنه شبح من الماضي: “في اللحظة اللي دخلت فيها الست دي بيتي وقولت عليا عاقر.. البيت اتهد.. اذهب إلى الجحيم.”
​بعد أسبوع، استلمت منصب رئيس مجلس الإدارة رسمي.. كنت قاعدة في المكتب الكبير اللي لسه فيه ريحة السجائر بتاعة حاتم، وبراجع الحسابات.. خبطة صغيرة قطعت تفكيري.
​دخل “فؤاد”، المدير المالي للشركة—راجل عجوز عنده فوق الستين.. كان باين عليه التوتر.
​ابتسمت له: “يا فؤاد.. اتفضل اقعد.. أنا لسه فاكرة لما كنت بعملكم شوربة سخنة لما كنت بتيجي أنت وحاتم سكرانين من عشا الشغل من 20 سنة.”
​عينين فؤاد دمعت، وشال نظارته بإيدين بترعش: “عشان الشوربة دي بس.. ضميري واكلني ومش قادر.. حتى لو طردتيني النهاردة، لازم أديكي ده.”
​طلع نوتة جلد سودا قديمة من شنطته وحطها على المكتب: “ده الدفتر السري اللي سابه المدير المالي الأولاني قبل ما يموت.. حذرني وقال إن فيه سر خطير عن حاتم ودينا.”
​بإيدين بترعش، فتحت الصفحات القديمة.. وكان في ورقة مطوية في النص.. فتحتها.. طلعت شهادة وفاة من المستشفى.
​اسم الأم: دينا شاكر.
تاريخ الميلاد: 18 ديسمبر.
سبب وفاة المولود: عيب خلقي في القلب.
تاريخ الوفاة: اليوم الثالث بعد الولادة.
​الدم نشف في عروقي.. التاريخ اللي حاتم جاب فيه كريم البيت كان 22 ديسمبر!
​فؤاد همس: “اقلبي الورقة.”
​كان ملزوق في الضهر تحليل الـ (DNA) اللي دينا ورته لحاتم.. بس كان مكتوب بخط إيد أزرق في الساحبة من المدير المالي الميت: “تحليل (DNA) مزور بـ 30 ألف جنيه.. البيبي الحقيقي اتقط من برة.”
​القلم وقع من إيدي على المكتب الإزاز.. حاتم مكنش مضحوك عليه في الابن التاني بس.. ده مضحوك عليه في الأولاني كمان! البيبي اللي جابه البيت وهو فاكر إنه من دمه ولحمه.. مفيش فيه نقطة دم واحدة منه!
​الباب اتفتح، ودخل كريم شايل كوبايتين قهوة، وجمد في مكانه لما شاف وشي الباهت والمخضوض.
​الفصل الرابع: الطفل المسروق
​”أمي.. في إيه؟” كريم جري عليا وحط القهوة.
​بصيت لملامح وشه القوية، وعينيه الذكية.. طول 25 سنة، عمري ما شكيت ثانية واحدة في أمومتي ليه. بس لو مكنش ابن حاتم، ولا ابن دينا.. يبقى الولد ده ابن مين؟
​سلمته الدفتر القديم.. كريم قرأ شهادة الوفاة، وعينيه ركزت على جملة “تحليل مزور”.
​الهدوء ساد الأوضة.. كنت مستنياه ينهار لما يعرف إنه يتيم بالكامل، ومجرد عروسة لعبة في لعبة قذرة. بس كريم قفل الدفتر بالراحة، ومسك كتفي.. وضحك ضحكة باردة ومكتومة.
​همس كريم: “حاجة تقرف بجد.. راجل طماع وخبيث، قضا حياته بيحسب الأرباح، وفي الآخر دمر حياته وهو بيربي عيال ناس تانية.. أنا قربت أشفق على حاتم.”
​الدموع ظهرت في عينين كريم لأول مرة: “بس يا أمي.. لو أنا مش ابنهم.. أنا مين؟ وليه حد رماني في الشارع في الساقعة دي؟”
​مسح دمعه من على وشي بصابعه وابتسم أجمل ابتسامة شفتها في حياتي: “مش مهم.. اللحظة اللي شيلتيني فيها وحضنتيني في صدرك ودفتيني، إنتي ولدتيني من جديد.. إنتي أمي الوحيدة.”
​دفنت وشي في صدره وعيطت.. مفيش بيننا دم، بس علاقتنا اتعمدت بالنار.. بس كان في سؤال مرعب بيدور في دماغي: دينا جابت الواد ده منين؟
​في نص شهر أكتوبر، رحت أنا وكريم سجن طرة.. كنا قاعدين بنبص من ورا الإزاز.. حاتم دخل لابس بدلة السجن الزرقا، ووشه خاسس جداً.. بس لسه الغرور القذر في وشة.
​حاتم مسك سماعة التليفون وقال بسخرية: “في إيه؟ الشركة فلست من غيري؟ جاية تشحتي؟”
​كريم ميرمش.. زق صورة شهادة الوفاة والورقة المزورة على الإزاز: “اقرأ ده.. حرف حرف.”
​حاتم ميل وبدأ يقرأ كلام “عيب خلقي في القلب”.. جمد في مكانه.. وعينيه وسعت برعب لما قرأ خط إيد المدير المالي.
​حاتم بدأ يصرخ ويخبط إيده الكلبشة في التربية: “لا.. ده تزوير! أنتم مزورين ده عشان تعذبوني! كريم من دمي!”
​كريم رد بصوت قاتل: “بلاش تضحك على نفسك.. ابنك الحقيقي مات بعد الولادة بساعات. أنت دمرت بيتك، وبعت مراتك، ودخلت السجن، عشان تكون دادا ببلاش لعروسة لعبة سرقتها دينا.. الكرمة عادلة، صح؟”
​حاتم بدأ يتنفس بصعوبة، ووشه اتقلب رمادي.. وبدأ يشد في شعره: “لا! أنا كنت الكبير! أنا كنت مسيطر على كل حاجه!” وبدأ يضحك ضحكة جنان وهستيريا، وبدأ يضرب راسه في التربية الحديد لحد ما جابت دم وهو بيصرخ باسم دينا.. العساكر جريوا عليه وخدوه على الزنزانة الانفرادية وهو بيترعش.
​بعد ما دمرنا الراجل اللي دمر حياتنا، كريم بدأ يدور على الحقيقة.. وبناءً على سجلات قديمة، وصلنا لبيت قديم ومتهالك في منطقة شعبية في المحلة.. جوة الشقة اللي ريحتها رطوبة، كانت في ست عجوزة كبار في السن قاعدة على سرير وقدامها بطانية قديمة.. دي كانت أم دينا الحقيقية.
​لما كريم قالها هو مين، الست العجوزة مسكت في البطانية وقعدت تعيط: “أنا عشت عمري كله حاسة بالذنب،” شاورت بإيد بتترعش على علبة صفيح قديمة: “افتح علبة البسكوت اللي تحت دي.”
​كريم فتحها.. كان فيه غويشة خشب صغيرة ومحفور عليها بدقة أرقام: “12181130”.
​الست العجوزة قالت وهي بتعيط: “الليلة دي.. ابن دينا مات. ولما خافت إن حاتم يقطع عنها الفلوس، اختفت في العاصفة.. والصبح رجعت وهي مخبياك تحت الجاكيت بتاعها.. ولما غيرت لك هدومك، لقيت الغويشة دي في إيدك.. قالت لي إنها لقتك على باب ملجأ.”
​كريم مسك الخشب لحد ما صوابعه ابيضت.. 18 ديسمبر، الساعة 11:30 بالليل.. تاريخ ووقت ميلاده.
​عملنا إعلان في برنامج حكايات وقضايا مشهور، ومقولناش على الأرقام اللي في الغويشة.. بعد 3 أيام، جه بيت اتنين كبار في السن لابسيبن هدوم مقطعة، وقعدوا يعيطوا ويقولوا إنهم سابوه عشان الفقر.. ولما قالوا الأرقام “12181130” صح، الدم جمد في عروقي.
​بس أنا بحكم شغلي في الموارد البشرية، حسيت بحاجة غلط.. الست رجليها ناعمة مش رجيل واحدة شقيانة في غيط، والراجل ضوافره مقصوصة ونظيفة..
​وقعتهم في الفخ وطلبت تحليل (DNA) رسمي وموثق فوراً.. خافوا وجريوا.. كريم قفشهم عند الباب.
​كريم زعق فيهم: “مين اللي مشغلكم؟”
​الراجل العجوز نزل على ركبه: “إإحنا ممثلين كومبارس! في ست دفعت لنا 6 آلاف جنيه عشان نحفظ الكلام ده عن الغويشة الخشب! كانت عايزه تدمرك نفسياً!”
​دينا.. حتى وهي تعبانة، كانت بتحاول توحل كريم في الطين.
​بعد شهر، المستشفى كلمتنا.. دينا في حالة حرجة جداً، وعايزة تقول وصيتها الأخيرة قبل ما تموت.
​لما دخلنا الأوضة اللي ريحتها بنج ودم، لقينا الست بقت جلد على عظم.. كانت مضروبة علقة موت من ناس حاتم شغلهم من السجن.. صدرها كان كله شاش، والدم طالع من بوقها.
​دينا ضحكت ضحكة مريضة: “جيتوا.. أنا أجرت الممثلين دول عشان تعيش طول عمرك حاسس بالنقص يا كريم.. وتفتكر إنك حتة زبالة اترمت عشان الفلوس.”
​زعقت فيها: “ليه الغل ده لحد آخر نفس في عمرك؟”
​دينا تف دم على الملاية: “عشان عشت في رعب 25 سنة! أمي دي غبية.. أنا مروحتش ملجأ.. أنا دخلت مستشفى دار الشفاء.. ودخلت أكبر جناح (VIP) في المستشفى.”
​درجة الحرارة في الأوضة نزلت تحت الصفر.. كريم مسك في سرير الحديد لحد ما اتلوى.
​دينا كملت وهي بتنهج: “الأوضة كانت مقلوبة.. الأم كانت بتنزف وبتموت والسرير كله دم.. وفي الزاوية، في السرير الصغير، كنت أنت بتعيط، ولابس الغويشة الخشب دي.. والدكاترة مشغولين بينقذوا الأم، أنا دخلت وخدتك تحت الجاكيت وسرقتك.”
​كريم رجع لورا ومسك راسه: “أنتي سرقتيني من أمي وهي بتموت؟ أنتي شيطانة!”
​دينا ضحكت ضحكة الموت: “أنا شيطانة! أنت مش ابن شوارع.. أنت مسروق.. أنا خدتك من عيلة غنية وكبيرة بس عشان أضحك على حاتم.. عمرك ما هتعرف عيلتك الحقيقية.. هسيبك تتعذب بالحقيقة دي في جهنم.”
​عينيها قلبت.. وجهاز ضربات القلب عمل صوت طويل ومستمر.. الشيطانة ماتت.
​بس سابتنا في كابوس.. كريم مكنش مرمي.. ده كان مخطوف من أم ماتت وهي بتنزف، وعيلة قعدت 25 سنة بتدور على ابنها.
​الفصل الخامس: الدم والذهب
​كريم طلب إجازة من كل حاجة، ومع المستشار عادل، بدأنا نفتح محاضر الشرطة القديمة من 25 سنة.
​وفي ليلة ممطرة، المستشار عادل خبط على باب البيت جامد.. ملقعش حتى الجاكيت المبلول ورما الملف على التربيزة: “لقيتهم.. لقينا عيلتك يا كريم.”
​قلبي كان بيدق زي الطبل، وكريم قطع الفولدر عشان يفتحه.
​عادل قال وهو بينهج: “يوم 18 ديسمبر.. في حالة اسمها ‘فريدة’ دخلت جناح الـ (VIP) في دار الشفاء.. دي كانت ممرضة وزوجة ابن ‘كامل المنشاوي’.. رجل الأعمال وعضو مجلس الشعب السابق.. جوز فريدة كان مات في حادثة عربية قبلها بأسبوع.. والصدمة خلتها تولد بدري.”
​كريم قفل عينيه وضغط على سنانه.
​عادل كمل بصوت حنين: “أبوه كان بيحفر الغويشة الخشب دي عشانك قبل ما يموت.. ولما فريدة كانت بتولد، كامل المنشاوي حفر تاريخ ووقت ميلادك عليها: 12181130.. وخلى الممرضة تربطها في إيدك.. بس فريدة نزلها نزيف.. وفي الـ 15 دقيقة بتاعت الهرج والمرج وهي بتموت، دينا دخلت وسرقتك.. ومن 25 سنة، عيلة المنشاوي صرفت ملايين عشان تلاقيك.”
​صوت فرامل عربيات فخمة ظهر برة في الجنينة.
​الباب اتفتح.. دخل راجل عجوز شعره أبيض وماسك عصاية، ومعاه ست عجوزة لابة بالطو أسود شيك جداً.. كامل المنشاوي ومراته ميرفت.
​أول ما ميرفت شافت كريم، الشنطة وقعت من إيدها.. وركبها سابت: “يا رب.. نفس العينين.. شبه شريف ابننا بالظبط.” جريت عليه ومسكت وش كريم بإيدين بترعش.
​كامل المنشاوي عيط علناً.. طلع من جيبه علبة قطيفة حمرا قديمة.. وفتحها.. كان جواها الحتة التانية من الخشب اللي اتقطع منها الغويشة.. كريم طلع غويشته من جيبه.. وركبوا على بعض بالظبط كأن الحياة اللي اتقطعت من 25 سنة رجعت تاني كاملة.
​كامل قعد يعيط: “ابن ابننا الغالي..” الراجل القوي بقى جد مكسور ومرتاح في نفس اللحظة.
​أنا رجعت لورا عند السلم، وخبية بوقي عشان مطلعش صوت عياطي.. ابني لقى أصله.. بقى محمي بدم وفلوس وسلطة.. حسيت إن دوري في حياته خلاص خلص وبإمتياز.
​بس ميرفت سابت كريم.. وقدام ذهول الكل، الست الكبيرة دي مشيت ناحيتي.. ومسكت إيدي ونزلت على ركبتها وهي بتشكرني وبتعيط:
“يا كاميليا.. أرجوكي.. 25 سنة والشيطانة بتحاول تستغله، وإنتي ضحيتي بشبابك وبدمك عشان تربي وريث المنشاوي وتخليه راجل محترم.. إنتي مش غريبة.. إنتي اللي أنقذتي عيلتنا.”
​كامل المنشاوي انحنى ليا: “الدين ده كبير أوي.. إحنا مدينين لك بحياتنا.”
​بعد أسبوع، كامل المنشاوي عزمنا في قصر العيلة في الإسكندرية عشان يكتبوا كريم في ورث العيلة.. كنت لابة فستان بسيط، وكنت عايزة أقعد ورا.. بس كريم حط إيده على كتفي وقال: “لو إنتي مش جمبي، اسمهم وفلوسهم ملهمش أي قيمة عندي.”
​وإحنا ماشيين في الجنينة، في راجل ببدلة شيك وقف في طريقنا.. ده كان “مدحت المنشاوي”، عم كريم الطماع.
​مدحت بص لي من فوق لتحت بقرف: “يعني إنتي بقى الدادا اللي كنتي بتأكليه.. أنا هحولك 50 ألف جنيه على حسابك النهاردة.. خدي الفلوس واستني في العربية.. عيب واحدة غريبة تقعد في اجتماع رسمي لعيلة المنشاوي.”
​كلمة “غريبة” قطعت في قلبي.. رجعت خطوة لورا مش عايزة أبوظ يوم كريم.
​بس كريم مد إيده وضرب الشيك من إيد مدحت.. الورقة طارت على الأرض.. وضم في كتفي جامد.
​كريم زعق وصوته رن في الجنينة كلها: “لم الفلوس القذرة دي من الأرض.. الست دي أمي.. دي باعت ذهبها ومكلتش عشان تدفع لي مصاريف تعليمي.. لو تمن دخولي القصر ده إني أتخلى عنها، خلو فلوسكم ليكم.. أنا هعيش طول عمري باسم كريم المنياوي.”
​مدحت وشه احمر: “أنت واد قليل الأدب! أنا هعلمك الأدب!” ورفع إيده عشان يضرب كريم.
​”طاخ!”
​صوت القلم رن في الجنينة.. بس كريم متضربش.. مدحت هو اللي رجع لورا وماسك خده.. كامل المنشاوي كان واقف وعصايته في الأرض وهو بينهج من الغضب:
“أنا مش بس ضربتك يا مدحت.. أنا هعمل اجتماع مجلس إدارة النهاردة عشان أشيلك من الميراث كله! إزاي تجرؤ تستخدم الفلوس عشان تهين الست اللي صانت دمنا! كاميليا مش غريبة.. كاميليا بنتي.. وبطلة عيلتنا.”
​الطمع بتاع العيلة اتمسح في ثانية.. وجوة القصر الكبير، قعدت في أول صف.
​كريم وقف قدام الكل.. انحنى لجده وجدته وقال: “أنا شايل جميل الناس اللي جابتني الدنيا في عضمي.. بس هقضي بقية عمري للي ربتني. يا جدي.. أنا بطلب منك تديني بركتك عشان أكون اسمي ‘كريم المنياوي المنشاوي’.. عشان يفضل اسم أمي معايا طول العمر.”
​كامل ابتسم وهو بيعيط: “موافق يا ابني.”
​بعد شهور، والورث الكبير اتأمن، كريم مشريش عربيات سباق.. حط ملفات تقيلة على تربيزة السفرة بتاعتي.
​ابتسم وقال: “أنا خدت 20 مليون جنيه وعملت ‘مؤسسة كاميليا وكريم المنياوي الخيرية’.. دي هتكفل بعمليات الأطفال اللي عندهم أمراض نادرة، وتنقذ الستات الحوامل اللي في ظروف صعبة.. مفيش طفل هيتسرق أو يترمى في الساقعة تاني.”
​هزيت راسي، وقلبي مليان فخر مش قادرة أوصفه.
​وفي نفس الوقت، ورا القضبان الحديد في مستشفى السجن، حاتم كان عايش جهنمه الخاصة.. أول ما قرأ في الجرنال عن الوارث الملياردير “كريم المنياوي المنشاوي”، الصدمة جابت له جلطة.. بقى قاعد على كرسي متحرك، نص جسمه مشلول، والريالة نازلة على هدومه.. كدبته الكبيرة بقت هي سجنه اللي بناه بإيده.
​أما بالنسبة لنا.. الهوا الخريف الجميل كان في شوارع المعادي.. الدكتور كريم المنياوي المنشاوي مكنش بيركب عربية مرسيدس بسواق.. كان بيدور عربية جيب قديمة—نفس الموديل اللي كنت بوديه بيه الحضانة زمان.
​فتح لي الباب وركبني، وابتسم ابتسامته الجميلة: “اربطي الحزام يا أمي.. هنروح ناكل ساندوتشات كبدة، وبعدين نتمشى على الكورنيش.”
​ركبت، ومديت إيدي ألعب في شعره اللي طار من الهوا.. صوت الموتور كان عالي، بس وسط زحمة القاهرة ودوشتها، الصوت الوحيد اللي كنت سامعاه هو دقات قلب ابني اللي قاعد جمبي.. مفيش بيننا نقطة دم واحدة، بس عملنا حب أقوى من الـ (DNA).. حب حقيقي هيعيش معانا لآخر العمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *