بعد تسعة عشر عاما- محمد نور
بعد تسعة عشر عاماً من طردي من عائلته، هبط زوجي السابق في فناء بيتي بمروحية.
مرّت تسعة عشر عاماً على طلاقي من عائلة آل الفايد.
تسعة عشر عاماً لم أسمع فيها صوت ابني عبر الهاتف.
تسعة عشر عاماً لم أطأ فيها أعتاب ذلك القصر المنيف في الرياض، حيث اتهموني—بعد شهر واحد فقط من ولادتي—بأنني امرأة قاسية القلب، وطردوني إلى الشارع دون أن يسمحوا لي حتى بضمه إلى صدري للمرة الأخيرة.
لهذا السبب، عندما رن هاتفي في تلك الأسرار من ليلة رأس السنة، لم أنظر إلى الاسم قبل أن أجيب.
كنت أواصل تطريز فانوس حريري صغير في ورشتي المتواضعة.
— أمي…
جاءني صوت رجل عبر الهاتف، فتوقفت إبرتي في الهواء.
عرفت ذلك الصوت رغم أنني لم أسمعه يوماً موجهاً إليّ: سعود آل الفايد.. ابني.. الرضيع الذي انتزعوه من أحشائي قبل تسعة عشر عاماً.
— الجدة تريدكِ أن تأتي لتناول العشاء معنا الليلة.
لم يقل “أريد رؤيتكِ”، ولا “اشتقت إليكِ”، بل ولا حتى سأل عن حالي! اكتفى بقوله:
— الجدة تقول إن العائلة يجب أن تجتمع في ليلة العيد.
طلقت ضحكة هادئة:
— عائلة؟
ساد الصمت للحظات، فأكملت:
— لديك والدك، وجدتك، وتلك الجميلة “ريما الشاهين”.. أنا واثقة من أنكم لا تفتقرون إلى الصحبة.
ثقلت أنفاسه على الطرف الآخر:
— الجدة تُصرّ.
هنا فهمت كل شيء. لم يكن سعود هو من يحتاجني، بل كنت مجرد قطعة ديكور أخرى في مشهد “العائلة المثالية” التي أرادت عائلة آل الفايد استعراضها في تلك الليلة.
— لن آتي.. كل عام وأنت بخير يا سعود.
أغلقت الخط، وخرجت إلى فناء بيتي الصغير لأعلق الفانوس تحت السقف الخشبي. كنت أفكر في إعداد طبق دافئ واستقبال العام الجديد بمفردي.. حتى بدأت الأرض تهتز من تحتي.
ظننت في البداية أنه صوت رعد، لكن سرعان ما تبعته زمجرة محركات هائلة. رفعت بصري لأرى مروحية سوداء تهبط مباشرة فوق ملكيتي. عصف هواء المروحية بالأوراق الميتة، وهزّ الفوانيس، وكاد يقلع الأحواض من مكانها.
انفتح الباب الجانبي.
واحد.. اثنان.. خمسة.. عشرة رجال يرتدون السواد نزلوا عبر الحبال وحاطوا بفنائي الصغير وكأنهم يقتحمون قلعة عسكرية.
وكان آخر من نزل رجلاً يرتدي معطفاً داكناً حاد القَصّة.. طويل القامة، مستقيم الظهر، يشوب الصدعَين في شعره بياضٌ خفيف.. حضورٌ لم تستطع تسعة عشر عاماً أن تكسر شوكته: سلطان آل الفايد.. زوجي السابق، وأقوى رجل في إحدى أكثر العائلات نفوذاً. الرجل الذي نظر في عينيّ قبل تسعة عشر عاماً وآمر بنبرة حاسمة: “أخرجوها من هذا البيت”.