بعد تسعة عشر عاما- محمد نور
سعود.. ابني.
للمزيد من القصص الحصرية تابعونا في جروبنا الجديد : روايات محمد نور
كان طويلاً، أكثر مما تخيلت. يحمل شعر سلطان الداكن، وفكه الحاد، وقفته المعتزة بنفسها.. لكن عينيه.. عيناه كانتا عينيّ تماماً. طوال تلك السنوات، كنت أتخيل كيف سيكون شكله عبر صور مسربة في الصحف والمناسبات الرسمية، لكن لا صورة يمكنها إعدادك لرؤية ابنك على بعد خطوات!
نظر إليّ سعود كما ينظر المرء إلى غريبة يتحدث عنها الجميع. كنت أول من كسر الصمت:
— أهلاً يا سعود.
تأخر لثانيتين قبل أن يرد بصوت جاف:
— أهلاً.
هذا كل شيء. لم يقترب أحدنا من الآخر، ولم يكن هناك عناق.
بدا الذهول على الجدة فقال:
— ادخلا.. العشاء جاهز.
عبرت البهو. كانت الصور العائلية ما تزال معلقة على الجدران: سلطان في طفولته، سلطان في شبابه، ثم صور سعود في كل مرحلة من حياته.. عامه الأول، يومه الأول في المدرسة، التخرج، البطولات.. ولم تكن هناك صورة واحدة لي! بالطبع.. لقد نجحوا في إعادة كتابة التاريخ وكأنني لم أكن موجودة قط.
— نورة…
جاء الصوت النسائي من الصالون. التفتُ لأرى ريما الشاهين تتقدم نحو وهو ترتدي فستاناً عاجياً وألماس ناعماً. بخلاف سلطان، كانت ريما قد تغيرت؛ تبدو أناقتها متكلفة ومصنوعة بعناية. رفعت يديها وكأنها تريد عناقي، فابتعدتُ خطوات للخلف.
توقفت ريما وهي تبسم بثبات:
— مضى وقت طويل…
— تسعة عشر عاماً.
— يسعدني أن أراكِ بخير.
— هذا غريب!
— لماذا؟
— لأن آخر مرة رأيتكِ فيها، كان كل ما يشغلك هو ألا أظل حية في هذا المكان.
تنحنح سلطان بصرامة:
— نورة! لا تحولي العشاء إلى مسرحية.
ضحكتُ بنبرة ساخرة:
— لقد هبطت بمروحية ورجال مدججين بالسلا..ح في فناء بيتي لاتجبرني على الحضور يا سلطان.. أعتقد أنك فقدت الحق في الحديث عن “الدراما”!
جلسنا إلى طاولة العشاء. كان هناك بعض الأقارب. ريما جلست بجوار سعود، وسلطان على رأس الطاولة، وأنا في المواجهة تماماً مع ريما. لم يمضِ أكثر من خمس دقائق حتى بدأت ريما حديثها المسموم:
— أخبرني سعود أنكِ تعملين في تطريز الفوانيس والقطع التراثية؟
— نعم.
— لا بد أن هذه الحياة بسيطة وهادئة جداً.. أنا أعجب بالنساء اللاتي يرضين بحياة بسيطة بعد أن عشن في هذا القصر.
أخذتُ جرعة من الماء وقلت ببرود:
— في البداية كان الأمر صعباً.. ثم اكتشفت شيئاً مهماً.