بعد تسعة عشر عاما- محمد نور
مشى سلطان على الحجارة التي رصفتُها بيدي في الحديقة، ووقف أمامي يتفحصني من رأسي إلى قدمي: معطفي القديم، وشعري المرفوع بإهمال، ويداي الملطختان بحبر التطريز. كانت نظراته هي هي.. باردة، متسلطة، ومقتنعة تماماً بأن العالم ملزم بإطاعته.
— طلب منكِ سعود العودة.. ما الجزء الذي لم تفهميه؟
نظرت إليه لثوانٍ معدودة، ثم ابتسمت:
— سيد سلطان، أظنك نسيت شيئاً.
— ما هو؟
— أنا وأنت مطلقان منذ تسعة عشر عاماً.
برز عرقٌ في فكه:
— ليس لدي وقت للنقاش.
— ممتاز، يمكنك العودة من حيث أتيت إذن.
تقدم اثنان من رجاله ووضعا أيديهما على حزاميهما. نظرت إلى سلطان:
— هل ستخطفني؟
— سعود يريد رؤيتكِ.
— سعود عمره تسعة عشر عاماً، وطوال حياته لم يفكر في البحث عني!
قطس سلطان حاجبيه:
— الليلة ليلة العيد.
— وهل يمحو ذلك ستة آلاف وتسعمائة يوم من الحرمان؟
سكت لأول مرة، فتابعتُ:
— قبل تسعة عشر عاماً اتهمتني بمحاولة أذية ريما الشاهين، وقلت إن امرأة مثلي لا تستحق حمل اسم “آل الفايد”.
تغيرت نظرته قليلاً:
— ذاك أصلٌ أصبح من الماضي.
شعرت ببرودة تجتاح صدري:
— بالنسبة لك.. أما بالنسبة لي، فكان اليوم الذي خسرتُ فيه زوجي، وابني، واسمي في لحظة واحدة.
في المدى البعيد، انطلقت الألعاب النارية تُضيء السماء. صمت سلطان، ثم أومأ برأسه لرجاله، فبدأ اثنان منهم بالاقتراب.
أغمضت عيني لثانية، ثم قلت بصوت ثابت:
— توقفوا.
رفع سلطان يده ليتوقف حراسه، وسألني:
— هل غيرتِ رأيكِ؟
هززت رأسي بنفي خفيف:
— لا.
دخلت البيت، أخذت حقيبتي، ولمست الجيب الداخلي لمعطفي.. كان الغرضان اللذان احتفظت بهما طوال تسعة عشر عاماً ما زالا هناك: كشف حساب موقّع، ومسجلة صوتية صغيرة. أصلان كفيلان بتهديم الإمبراطورية التي بنتها ريما الشاهين على حساب اسمي.
للمزيد من القصص الحصرية تابعونا في جروبنا الجديد : روايات محمد نور
عندما صعدت إلى المروحية، جلس سلطان أمامي وسألني بنبرة ريبة:
— لمَ تبتسمين؟
نظرت عبر النافذة وأنا أرى بيتي الصغير يتضاءل تحتنا:
— لأنني قضيت تسعة عشر عاماً بانتظار أن يأتي أحد من عائلتك للبحث عني.
قطّب سلطان حاجبيه.. لم يكن يعلم أنني في تلك الليلة لم أكن عائدة إلى قصر آل الفايد لأتصالح مع أحد، بل عدتُ أنهي ما بدؤوه هم.
وقبل أن يشرق الفجر… سيكتشف الجميع أنهم حمَوا الشخص الخطأ طوال تسعة عشر عاماً.