بعد تسعة عشر عاما- محمد نور
الرحلة إلى الرياض استغرقت وقتاً أقل مما توقعت. طوال الطريق، ظل سلطان جالساً أمامي دون أن ينبس ببنت شفة.
قبل تسعة عشر عاماً، كان هذا الصمت كفيلاً بإشعاري بالذنب. كنت حينها أحاول فك رموز نظراته، وهفوات صوته، لأنني كنت مغرمة به بأسلوب طفوليّ ساذج. كنت أظن أنني إذا أصبحت الزوجة المثالية، سيحبني بنفس القدر. كم كنت غبية! أما الآن، فكنت أنظر إليه وكأنني أتأمل صورة قديمة؛ أعرف الرجل، لكنه لم يعد يملك أي authority أو سلطة على قلبي.
أخيراً قطع سلطان الصمت:
— سعود لا يعلم أنني جئت لإحضارك بنفسي.
— إذن سيبهر بالتأكيد بتضحيتك!
— لا تبدئي بالتلميحات.
— لم أبدأ بشيء.
عدت بنظري إلى النافذة، وكانت أضواء المدينة تلوح تحتنا. تفحصني سلطان لثوانٍ ثم قال:
— لقد تغيرتِ.
— سيكون أمراً يدعو للقلق إن لم أتغير بعد تسعة عشر عاماً.
— لا أعني المظهر فقط.
— أعرف تماماً ما تعنيه.
في الماضي كنت أطأطئ رأسي، والآن لا. في الماضي كنت أستأذن، والآن لا. في الماضي كنت سأبكي لو تحدث معي سلطان بهذا الأسلوب، أما الآن فإن عدم رضاه يعني لي أقل من حالة الطقس.
هبطت المروحية في أملاك خاصة شمال الرياض. كانت تنتظرنا عدة سيارات، وعندما رأيت شعار “آل الفايد” على الأبواب، تملكني شعور غريب؛ ليس ألماً ولا حنيناً، بل كأنني أزور مسرح جر..يمة قديمة.
وصلنا إلى قصر “آل الفايد”. لم يتغير شيء: الشارع العريض المحفوف بالأشجار، النافورة الرخامية، الأعمدة البيضاء والشرفات المضاءة. تذكرت دخولي هذا القصر وأنا في الثانية والعشرين من عمري بحقيبتين وأمل عريض لبناء عائلة، ثم خروجي منه بعد ثمانية عشر شهراً بحقيبة ملابس واحدة.. دون ابني، ودون مال، ودون من ينتظرني.
هذه المرة نزلت بقدمين ثابتتين. انفتح الباب الرئيسي قبل أن نصله، وكانت تقف هناك سيدة مسنة: الأميرة منيرة.. والدة زوجي السابق. رغم تجاوزها الثمانين، كانت ما تزال قائمة الظهر. عندما رأتني، ترقرقت الدموع في عينيها:
— نورة…
كانت أول شخص ينطق باسمي بنبرة مشوبة بالنوستالجيا.
— أهلاً يا خالة.
تقلصت ملامحها:
— ما زلتِ تنادينني بهذا الاسم؟
— لقد انتهت رابطتنا منذ تسعة عشر عاماً.
فتحت فمها لترد، لكنها سكتت عندما ظهر الشاب الذي يقف خلفها. عند رؤيته، توقف كل شيء بداخلي..