جوزي كان بيسيبني اطبخ للعيلة كلها

فتحت باب المطبخ الموارب، وبصيت عليهم. أحمد كان قاعد ممدد رجله على الكنبة، ماسك الموبايل بإيده التانية، وحماتي بتوزع عليهم فاكهة وبتقول: “بكرة يا حبيبي، أجيبلك عروسة تانية.. واحدة تكون ست بيت أصيلة، لا شغل ولا شهادة تشغلها عنك.”

أحمد رد ببرود: “يا ماما، هي بس شوية دلع.. بكره تعقل وترجع تاني تفرش لنا السفرة، دي عارفة إنها من غيرنا ولا تسوى حاجة.”

الكلمة دي كانت القشة اللي قسمت ضهر البعير. “ولا تسوى حاجة؟” أيوة يا أحمد.. فعلاً، أنا من غيركم ما كنتش هعرف إني قوية كفاية عشان أقول “لأ”.

دخلت المطبخ بسرعة، فتحت شنطة السفر اللي كنت مجهزاها من فترة، مخبياها ورا كراتين المطبخ اللي محدش بيبصلها. حطيت فيها شهاداتي، جواز سفري، هدوم قليلة، وأهم حاجة.. قلبي اللي لملمت بقاياه ورميته جواها.

مشيت في البيت زي الشبح، دخلت أوضة النوم، فتحت الدولاب وطلعت فلوسي اللي كنت محوشاها من شغلي الحر “فريلانس” اللي كنت بعمله من وراهم بالليل لما الكل ينام. أحمد كان فاكرني بشتغل حاجات تافهة، ما كانش يعرف إني كنت بأسس لحياتي التانية.

طلعت ورقة وقلم، وكتبت رسالة بسيطة، حطيتها في نص الصالون على الترابيزة، فوق طبق الفاكهة اللي لسه حماتي كانت بتقدمه.

كتبت:

“شكراً على الـ 4 سنين اللي علمتوني فيهم إن مفيش حد بيقدر المعروف، وإن كرامتي أهم من أي عزومة. الورقة اللي في إيدي دي كانت تذكرة طيران، والنهارده قررت أسافر لمستقبلي اللي كان بيضيع كل يوم جمعة. البيت ده ما بقاش بيتي، لأن البيت هو المكان اللي فيه حب وتقدير، وأنا هنا ما لقيتش غير الاستغلال.”

خرجت من باب الشقة، ونزلت السلالم بسرعة، كأن فيه وحش بيطاردني. الشارع كان زحمة، الهوا كان ليه طعم تاني.. طعم الحرية. ركبت تاكسي، وقلت للسواق: “على المطار.”

أحمد اتصل مرة.. اتنين.. تلاتة.

قفلت الموبايل، وطلعت الشريحة، ورميتها من شباك التاكسي.

وأنا قاعدة في الطيارة، ببص من الشباك للسحاب، افتكرت كل لحظة ضعف عشتها معاهم. كان لازم أكون قوية، كان لازم أكسر الدايرة دي قبل ما هي اللي تكسرني.

وصلت البلد التانية، وبدأت حياتي من الصفر.. بس كان صفر له طعم النجاح.

بعد شهرين، كنت في مكتبي، بشتغل وبنجح وبحقق نفسي. أحمد حاول يوصل لي عن طريق أهلي، وعرفت إنه اتهد بعد ما مشيت. البيت اللي كان “مطعم”، بقى خړابة.. لا طبيخ، لا غسيل، ولا حتى حد يسأل عن التاني.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *