حماتي كل يوم تقارني بسلفتي

مننا المظاهر، فإحنا جبنالكم المظاهر!
الكلام ده خلاني أتجمد مكاني. صحيح، حماتي كانت دايماً بتقارن، وبتطلب المظاهر، وبتشوف إن اللي بيتكلم ويظهر أحسن من اللي بيعمل. لكن ده مش مبرر أبداً للكذب والسرقة.
بصيت لريهام بهدوء، وقلت الفرق بيننا يا ريهام، إن أنا عمري ما ادعيت إنني غنية، ولا إنني مثالية. أنا عشت على قد الحال، وكنت أرضى بالقليل، وكنت أهتم ببيتي وأولادي وكرامتي. أما إنتِ، فاخترتي الطريق السهل، طريق الكذب عشان تظهري للناس إنك أحسن، وده اللي وصلنا له دلوقتي.
حماتي سمعت كلامي، وبصت لي بنظرة غريبة، نظرة ما شفتها في عينيها قبل كده، نظرة فيها ندم، وفيها اعتراف بالغلط.
الراجل، اللي اسمه الأستاذ كمال، بدأ يحكي التفاصيل عشان يفهم الكل إيه اللي حصل قبل سنتين، قابلت مدام ريهام في معرض، وبدأت تتكلم معايا، وتقول إنها منفصلة عن جوزها، وإنها بتدير مشاريع خاصة، وعندها أملاك كتير. عرضت عليا شغل مشترك، وقالت إننا هنكسب أرباح كبيرة جداً. في البداية كنت متردد، لكنها جابت الأوراق، وجابت حسن عشان يثبت كلامها، وقال إنه أخوها، وإنها تملك كل شيء. وثقت فيهم، ودفعت مبلغ كبير، وبعدين بدأت ألاحظ التأخير، والكلام المتغير، لحد ما اكتشفت إن كل الأوراق مزورة، وإن الموضوع كله كان وهم.
كمل كلامه ولما واجهتهم، حاولوا يتهربوا، ويغيروا العناوين، وكل مرة يقولوا لي كلام جديد. لحد ما قدرت أجمع الأدلة، وأعرف عنوانهم الحقيقي، وجيت هنا عشان أطالب بحقي، وعشان الكل يعرف الحقيقة.
كل ما كان

يحكي، كان وش حماتي يزيد اصفراراً. كانت تتذكر كل مرة كانت بتقول فيها شوفي ريهام، شوفي بيتها، شوفي ملابسها، شوفي سفرها، وكانت تظن إن ده النجاح، وإن ده معنى إنك ست بجد. وطلع إن كل ده مجرد وهم مبني على أموال الناس اللي أخذوها بغير حق.
نظرت حواليّا، وشفت الناس اللي كانت بتتجمع حول ريهام وتسمع كلامها، بدأت تبتعد، وكل واحد بيدور على طريقة يخرج بيها من البيت عشان ما يبقى له علاقة بالفضيحة. نفس الجيران والقرايب اللي كانوا بيقولوا يا سلام على ريهام، دلوقتي بيقولوا يا حرام، ازاي يقدروا يعملوا كده؟
حماتي قعدت على أقرب كرسي، وحطت وشها بين إيديها، وبدأت تعيط بصوت مسموع، وقالت أنا السبب أنا اللي كنت بطلب المظاهر، وكنت أهتم بالشكل أكتر من الجوهر. كنت أشوف اللي بيلبس ويسافر ويتكلم حلو، وأقول ده الأفضل، وغفلت عن اللي بتبقى في البيت، وتتعب، وتصبر، وتحافظ على كرامتها مهما كان الحال.
رفعت رأسها، وبصت لي، وقالت بصوت مليان ندم سامحيني يا نسرين. سامحيني على كل مرة قارنتك فيها، وعلى كل كلمة جارحة قلتها. كنت عمياء، ومش شايفة الحقيقة. كنت فاكرة إن الجمال والفلوس والأناقة هي اللي بتخلي الست تستاهل الاحترام، وطلعت غلطانة جداً. اللي بتبقى بضميرها نظيف، وبتعيش على قد حالها، ومش بتاخد حق حد، هي دي الست بجد.
المواجهة والقرار
حسن حاول يخرج من البيت، لكن كمال وقف في طريقه وقال مش هتخرج إلا لما نخلص كلامنا، أو نروح كلنا للنيابة.
ريهام قالت بصوت ضعيف وهي تبكي إحنا مش ناوين نسرق، كنا نعتمد على إننا هنكسب في المشاريع ونرجع الفلوس، لكن الحظ ما كانش معانا.
رد كمال بحدة السرقة مش بتعتمد على الحظ يا مدام. اللي بياخد فلوس حد بغير وجه حق، وبيكذب عليه، ده اسمه سرقة، سواء كسب ولا خسر.
محمد وقف جنبي، وبص لأخوه وقال إيه اللي ناوين تعملوه دلوقتي؟ الفلوس اللي أخذتوها كبيرة، ومش هتقدروا تردوها بسهولة، ولا الفضيحة دي هتختفي.
حسن بص لنا كلنا، وقال أنا عارف إننا غلطنا، وعارف إننا ضيعنا سمعتنا، وسمعة العيلة كلها. بس عايز فرصة، عشان نرجع الحق لأصحابه.
حماتي رفعت رأسها، وقالت الفرصة جاية لما تردوا الحق. اللي عليكم يرد، ولو محتاجين نبيع أي حاجة، نبيعها، لكن ما نضلش نعيش في كذب وخطايا.
بصيت لحماتي، وقلت بهدوء القرار في النهاية قراركم، لكن الحقيقة اللي اتعلمتها اليوم، وإن شاء الله تتعلموها معايا، إن المظاهر بتزول، والجمال بيفنى، والفلوس بتجيب وتروح، لكن الكرامة والضمير والسمعة الطيبة هي اللي بتفضل مع الإنسان طول عمره.
الكلام ده كان واضح، وكل واحد في المكان حس بمعناه. حماتي كانت بتبص لي باحترام، احترام ما شفته في عينيها من قبل، وبدأت تدرك إن اللي كانت تعتبره عادية ومش مميزة هو في الحقيقة أغلى ما يملكه الإنسان.
الأيام اللي جاية
بعد أيام من الحادثة، اتضحت الصورة أكتر. حسن وريهام اضطروا يبيعوا كل ما يملكونه، العربية، الشقة، الشنط الغالية، الدهب، كل حاجة اشتروها من الفلوس اللي أخذوها، وردوا جزء كبير منها للأستاذ كمال، واتفقوا معاه على تقسيط الباقي.
الحياة المثالية اللي كانوا يعرضوها على السوشيال ميديا اختفت تماماً، وبدأت الحياة الحقيقية، حياة بسيطة، مليانة تعب ومسؤولية، ومش فيها أي رفاهية. الناس ابتعدوا عنهم، وابتعدوا عن الفضيحة، وفضلوا بس مع أنفسهم، يواجهوا نتيجة أفعالهم.
أما أنا، فالوضع اتغير تماماً في بيت العيلة. حماتي بدأت تتعامل معايا بكل احترام وتقدير، وكل ما تشوفني تقول ربنا يخليكِ يا بنتي، ويديكِ الصحة والعافية. وما عادت تقارنني بحد، ولا تمدح المظاهر، بل كانت دايماً تقول المهم الأصل والضمير.
كانت تجلس معايا في المطبخ، تساعدني، وتحكي لي قصص، وتعترف لي بغلطها، وتقول إنها تعلمت درساً قاسياً ومش هتنساه طول عمرها. وكنت أرد عليها الحمد لله، إن الحقيقة طلعت، وإننا فهمنا بعض، وإن شاء الله نكمل حياتنا على الصدق دايماً.
مرت السنين، وريهام وحسن تعلموا الدرس، وعاشوا حياة هادئة بسيطة، وابتعدوا عن المظاهر الكاذبة، وحاولوا يبنوا سمعتهم من جديد، لكن الطريق كان طويلاً. أما أنا، فكنت عايشة حياتي بهدوء، مع جوزي وأولادي، في أمان واطمئنان، وكنت أدرك تماماً إن اللي عندي أغلى من أي فلوس أو جمال أو مظاهر.
وعرفت في النهاية إن مقارنة الناس ببعضها ظلم كبير، لأن كل إنسان له طبيعة وحياة، وإن المقياس الحقيقي للشخص مش في شكله ولا في فلوسه، بل في أفعاله وصدقه وكرامته. وإن اللي بتبني حياتها على الحق، حتى لو كانت بسيطة، هتفضل ثابتة وقوية مهما مر عليها من ظروف، أما اللي بتبنيها على الكذب والمظاهر، فمصيرها في يوم من الأيام أن تنهار وتنكشف.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *