المهمة السرية
لأنني تعلمت شيئاً واحداً خلال ثلاث سنوات:
أكثر من يصرخ… هو الأكثر خوفاً.
وفوزية كانت تصرخ.
تقدم طارق خطوة للأمام، مرتدياً ذلك القناع المألوف: قلقٌ مصطنع، ونبرة محسوبة للعرض أمام الجمهور.
قال بنبرة رسمية متقنة:
“أمي… أرجوكِ، دعوا الشرطة تتولى الأمر.”
ثم التفت إلى الضباط:
“أعتذر منكم جميعاً. زوجتي تمرّ بضغط نفسي شديد مؤخراً، وأصبحت تطلق ادعاءات غير منطقية.”
ها هو المشهد الحقيقي.
لم يكن مرتبكاً… كان يمثل.
صرخت فوزية مجدداً:
“اسألوها عن الدعوة! لماذا جاءت وحدها! ولماذا لا تحمل هويتها!”
رفعت عيني إلى طارق.
لكنه تهرّب من نظرتي.
ثلاث سنوات زواج، تنقلات عسكرية لا تنتهي، وإجهاضان مرّا عليّ وحدي بينما كان دائماً “مشغولاً بالقيادة”. ثلاث سنوات من الابتسام في وجه أمه وهي تناديني “حبيبتي” وتغرس كلماتها ببطء تحت الجلد.
والليلة… اختارها.
ليس لأنه صدّقها.
بل لأنه يحتاجها.
لأنني وجدت الملف.
ولأنني التقطت الصور.
ولأنه لم يكن يعرف ما أملكه ضده.
توقفت الشرطة العسكرية أمامي.
شاب في بداية العشرينات، ورقيب أقدم بعينين أنهكتهما الخدمة.
قال الرقيب باحترام:
“نحتاج للتحقق من الهوية وصلاحية الدخول يا فندم.”
أجبت بهدوء:
“تفضل.”
كان صوتي ثابتاً أكثر مما ينبغي.
مدّ يده:
“الهوية، من فضلك.”
فتحت حقيبتي.
كل القاعة كانت تراقب.
ببطء مقصود، أخرجت ما بداخلي.
كانت فوزية تنتظر بطاقة عائلية… وطارق ينتظر تصريحاً مزيفاً ينقذ موقفه.
لكنني أخرجت محفظة سوداء رسمية.
صمتٌ غريب سقط على المكان.
الشرطي الشاب انتبه أولاً… وتغيرت وقفته فوراً.
ثم الرقيب.
ثانية… ثم ثانية أخرى.
وكأن القاعة بأكملها انكمشت.
سمعت أنفاساً تُحبس.
وارتطام ثلج في كأس.
وصمت طارق وهو يتوقف عن التنفس تماماً.
رفع الرقيب عينيه إليّ.
ولم يعد يرى “زوجة النقيب”.
بل رأى شيئاً آخر تماماً.
استقام جسده فجأة، وضرب كعبه بالأرض:
“تمام يا فندم!”
أعاد المحفظة بكلتا يديه، ثم رفع يده بتحية عسكرية كاملة.
تجمدت القاعة.
ثم أدى الشاب التحية بدوره.
شحب وجه فوزية.
وانهار لون طارق بالكامل.
ولأول مرة… بدا النقيب الذي لا يهتز، مرعوباً فعلاً.
في المقدمة، وقف العميد حسين ببطء.
صوته جاء حاداً:
“ما الذي يحدث هنا؟”
التفت الرقيب الأقدم نحو طاولة كبار القادة، وضرب الأرض بقدمه مؤدياً التحية العسكرية للعميد حسين، ثم قال بصوت جهوري ملأ القاعة: