المهمة السرية

شقّت الصرخة أرجاء قاعة الاحتفالات الكبرى في نادي الضباط قبل أن يكتمل تصديق الكذبة في عقول الحاضرين.

قبل لحظات فقط، كانت القاعة تبدو كلوحة احتفال رسمتها الدولة بعناية؛ ثريات كريستالية ضخمة تتدلّى من سقف شاهق، تسكب ضوءاً ذهبياً فوق صدور تلمع بالنياشين، وكؤوس العصير تعكس بريقاً هادئاً فوق الطاولات، فيما كانت الموسيقى الكلاسيكية تنساب برقة فوق همسات الضباط وضحكات زوجاتهم.

ثم، انكسر كل شيء دفعة واحدة.

“اقبضوا عليها!”

كان صوت حماتي كالسوط.

في ثانية واحدة، التفتت كل الرؤوس نحوي.

تجمّدت الأكواب في منتصف الطريق إلى الشفاه، وتصلّبت الأجساد تحت البدلات العسكرية الرسمية، بينما تحوّلت نظرات زوجات الضباط إلى فضولٍ لاهث، ذاك الفضول الذي لا يظهر إلا حين تبدأ “العروض” التي تتغذى عليها المجالس المخملية.

وهناك… كانت تقف.

فوزية هانم.

حرير فاخر، ألماس يلمع بلا رحمة، تسريحة محكمة كأنها خُلقت لتُعلن السيطرة لا الجمال. كانت تشير نحوي بإصبع مرصّع بالخواتم، وملامحها تتوهج بنشوة انتصار باردة… كأنها انتظرت هذه اللحظة سنوات.

تحرك اثنان من الشرطة العسكرية من قرب الجدار.

وبينهما… كان يقف زوجي.

النقيب طارق.

وجه حليق، أوسمة تلمع على صدره، وهدوء مزعج لا يشي بشيء سوى أنه قرر ألا يرى ما يحدث فعلاً. عدّل أكمامه ببرود، كأن إهانتي العلنية مجرد تفصيل صغير في أمسية رسمية.

ثم نظر إليّ.

وقال بصوت منخفض، لكنه اخترق القاعة كلها:

“رانيا… لا تجعلي الأمر أسوأ.”

في تلك اللحظة لم ينتهِ زواجي قانونياً.

لكنه انتهى داخلياً بالكامل.

شيء ما انطفأ بلا رجعة. شيء كان يتحمل سنوات من التبرير، ومن صمته، ومن سمّ أمه المغلف بابتسامات مصطنعة.

صمتت الموسيقى.

واختنقت القاعة بالترقب.

رفعت فوزية ذقنها وقالت بصوت حاد:

“هذه المرأة لا يحق لها التواجد هنا! بطاقة الدعوة مزوّرة! والفستان مسروق! إنها تعاني اضطراباً نفسياً ويجب إخراجها فوراً قبل أن تسيء لعائلتنا!”

وقفت وحدي عند الطاولة رقم 12.

لا يد تمتد إليّ.

لا صوت يسندني.

ولا أحد يسأل كيف تحولت زوجة ظلت ثلاث سنوات تشارك في كل أنشطة زوجات الضباط، إلى “متهمة” في لحظة.

كان كأسي لا يزال ممتلئاً أمامي، وحقيبتي الصغيرة في يدي اليسرى، بينما يدي اليمنى كانت ساكنة كأنها لا تنتمي لي.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *