انا لاأقبل الارتباط باامرأة مطلقة
— إذن هذا الرجل قدّم لكِ خدمة جليلة اليوم، وإن لم يبدُ الأمر كذلك الآن.
عرفها بنفسه؛ إنه **طارق**، مهندس معماري وأب لـ**نور**. وعلى طاولة قريبة، كان والداه، **ليلى** و**سمير**، يحتفلان بعيد ميلاد سمير الخامس والستين. دعوها بلطف للانضمام إليهم.
— والدتي طلبت طعامًا يكفي لعشرين شخصًا!
وأضافت الطفلة نور بحماس:
— وهناك كعكة شوكولاتة.. يمكنكِ تناول جزء من قطعتي!
أرادت ياسمين الاعتذار، لكن الطفلة كانت قد أمسكت بيمينها بالفعل. أفسحت لها الأم **ليلى** مكانًا بترحيب دافئ دون أسئلة محرج، وأعلن الجد **سمير** أن أي صديقة لـ”نور” لها الحق الكامل في قطعة من الكعكة.
خلال العشاء، تحدثت ياسمين عن عملها مع الأطفال المرضى وكيف تقرأ لهم الحكايات ليهدأ خوفهم، فنظرت إليها نور كبطلة خارقة. وعلى الجانب الآخر، أخبرها طارق بصوت منخفض أن زوجته الراحلة **سارة** توفيت قبل عامين إثر أزمة صحية مفاجئة، ومنذ ذلك الحين يربي ابنته بمفرده، ممزقًا بين أعباء العمل والشعور بالذنب والتقصير.
— نور تسأل كثيرًا عن والدتها.. أحاول الحفاظ على ذكرياتها حية، لكنني أشعر أحيانًا أن جهدي لا يكفي.
عندما قُدمت الكعكة، جلست نور بجانب ياسمين وسألتها ببراءة:
— هل لديكِ أطفال؟
— لا يا حبيبتي.
— هل كنتِ تتمنين ذلك؟
شعرت ياسمين بالسؤال يلمس جرحًا غائرًا في روحها:
— نعم.. تمنيت ذلك طويلًا.
وضعت نور شوكتها وقالت بثقة أذهلت الجميع:
— أبي وحيد، وأنتِ وحيدة أيضًا.. هل يمكن أن تكوني أمي الجديدة؟
وضعت الجدة ليلى يدها على فمها من الصدمة، واحمرّ وجه طارق حرجًا:
— نور! هذا سؤال لا يُطرح هكذا.
جثت ياسمين على ركبتيها لتصبح بمستوى الطفلة وقالت بلطف:
— الأمومة أمر عظيم ومسؤولية كبيرة يا نور، وأنا ووالدكِ قد تعارفنا للتو.
ردت نور بذكاء طفولي:
— إذن، توقفا عن كونكما غريبين أولًا.. يمكنكِ المجيء إلى منزلنا يوم السبت لترين شجرة عائلتي.
نظر طارق إلى ياسمين، متوقعًا أن ترفض بأدب لتنهي هذا الموقف المحرج:
— فقط إن كنتِ ترغبين في ذلك.. لا نريد إزعاجكِ بأي حال.
فكرت ياسمين في تلك الرسالة القاسية التي تلقتها، وفي شقتها الموحشة، ثم نظرت إلى تلك اليد الصغيرة المتشبثة بعباءتها وقالت:
— يوم السبت يناسبني تمامًا.
عند المغادرة، غمرتها نور بعناق دافئ وكأنهما أبرمتا عهدًا أبديًا. لم ينتبه أحد منهم إلى سيدة ذات شعر رمادي تراقبهم من داخل سيارة قريبة، تلتقط لهم صورًا بعدسات هاتفها. ما إن ابتعد طارق وابنته، حتى أجرت مكالمة هاتفية وقالت بصوت يرتجف غضبًا وحزنًا: