انا لاأقبل الارتباط باامرأة مطلقة
— يا خالة سعاد، أنا لا أريد إلغاء وجود ابنتكِ. نور تحتاجكِ لتحدثيها عنها، لتحبها وتتذكرها دون خوف أو ذنب.
نظرت سعاد إلى لوحة شجرة العائلة التي تحملها حفيدتها، وبصوت متهدج طلبت الصفح. لم تصبحا صديقتين بين عشية وضحاها، لكن سعاد التزمت بالجلسات النفسية وتوقفت تمامًا عن شحن الطفلة بالمشاعر السلبية.
في الأشهر التالية، واصل طارق وياسمين بناء علاقتهما بصبر وتفاهم. زاروا معًا قبر سارة في ذكرى وفاتها، ووضعوا الزهور، وتركوا لنور المساحة لتتحدث مع والدتها الراحلة وتخبرها عن تفاصيل يومها. بدأت الجدة سعاد تدرك أخيرًا أن ياسمين لم تأتِ لتسرق مكانًا ليس لها، بل لتصنع مساحة جديدة مليئة بالحب.
وفي مطلع الصيف، نقلت ياسمين حقائبها إلى بيت طارق. ساعدتها نور في ترتيب الكتب، وعلقت لوحة “ممرضتي المفضلة” على باب الغرفة، ثم وقفت فجأة بجدية وسألتها:
— هل ستبقين معنا حقًا؟
— نعم يا حبيبتي، طالما أنكِ ترغبين في ذلك.
— هل يمكنني أن أناديكِ “أمي” دون أن تحزن أمي في السماء؟
جثت ياسمين أمامها ودموع الفرح في عينيها:
— ناديني بما يمليه عليكِ قلبكِ الصغير.. لن أطلب منكِ يومًا أن تتوقفي عن حب سارة.
غمرتها نور بعناق دافئ وطويل، بينما أحاطهما طارق بذراعيه بامتنان. ومن عتبة الباب، كانت الجدة سعاد تراقب المشهد بابتسامة راضية وهادئة. هذه المرة لم تخرج هاتفها لالتقاط صور كأدلة اتهام، بل أخرجت إطارًا صغيرًا يحتوي على صورة لابنتها الراحلة سارة وقدمته لياسمين قائلة:
— أريد أن تبقى هذه الصورة هنا.. معكم في هذا البيت.
في تلك الليلة، بينما كانت نور تغني في الممر أغنية طفولية ألفتها عن عائلتها الكبيرة، تذكرت ياسمين تلك الرسالة الجافة القاسية التي كادت أن تكسر قلبها في ذلك المقهى. أدركت أن ذلك الرفض الجارح لم يكن نهاية المطاف، بل كان الباب الذي قادها إلى طاولة لم يسألها فيها أحد عن “ندوبها” السابقة قبل أن يفسح لها مكانًا دافئًا بين أفراده.
علمت ياسمين أن “الوطن” والبيت الحقيقي لا يعنيان محو الماضي أو محاولة استبدال الراحلين، بل يعني القدرة على ذكر أسمائهم دون خوف، وقبول القادمين الجدد، والسماح لقلوبنا المنكسرة بأن تتعلم كيف تنتمي وتبدأ من جديد.
تمت لصفحة روايات وردة