عيد ميلاد حماتي ٣
الجزء الثالث
أم سامح حاولت تخطف الظرف من إيد ندى، لكن ندى رجعت خطوة لورا وقالت بهدوء:
— لأ… المرة دي هتكلمي بعد ما أخلص.
بصت لكل اللي قاعدين وقالت: — طول السنين اللي فاتت كنت ساكتة، مش ضعف… كنت بحافظ على بيتي. لكن البيت اللي يتبني على الإهانة عمره ما يعيش.
سامح قرب منها ومد إيده: — خلاص يا ندى… نتكلم بعدين.
هزت راسها وقالت: — بعدين إيه؟ بعد ما تهينوني قدام الناس وتفتكروا إني هسكت؟
طلعت من شنطتها مفتاح الشقة.
حطته قدام سامح.
— من النهارده… كل واحد يعيش الحياة اللي اختارها.
اتجمد سامح وهو بيبص للمفتاح.
وأم سامح صرخت: — يعني هتسيبي جوزك؟
ندى ردت بثقة: — أنا بسيب الإهانة… مش الجواز.
لفت ناحية الباب، وقبل ما تفتحه وقفت وقالت آخر جملة:
— فاكرة إن ابنك “عمللي قيمة”؟ الحقيقة إن الكرامة عمرها ما كانت هدية من حد… الكرامة أنا اللي رجعتها لنفسي النهارده.
فتحت الباب، ومشت بخطوات ثابتة.
وسابت وراها شقة مليانة صمت… وتورتة عيد ميلاد ما حدش افتكر يقطع منها حتة، لأن الليلة كلها اتقلبت، وكل واحد فيهم بدأ يسأل نفسه…
الباب اتقفل ورا ندى بهدوء…
لكن الصوت اللي سابه في قلب سامح كان أعلى من أي خناقة حصلت في حياته.
فضل واقف مكانه، ماسك المفتاح في إيده، وعينيه على الباب، كأنه مستنيها ترجع وتقول إنها كانت بتهزر.
لكن ندى ما رجعتش.
أم سامح قطعت الصمت وهي بتقول بعصبية: — سيبها! هترجع تزحف بعد يومين… هي لها مين غيرك؟
سامح رفع عينه لأول مرة وبصلها بنظرة ما شافتهاش منه قبل كده.
— لأ يا أمي… المرة دي مش هترجع.
سكتت أم سامح، واتلخبطت.
— يعني إيه؟
— يعني كل مرة كانت بتسامحني… كنت فاكر إن ده حق مكتسب. وكل مرة كنت بسيبك تكسريها… كنت بخسرها وأنا مش واخد بالي.
المعازيم بدأوا يلمّوا حاجتهم واحد ورا التاني.
ولا حد فيهم كان قادر يبص في عين التاني.
حتى أم إبراهيم، اللي كانت أول واحدة بتضحك، خرجت وهي بتتمتم: — والله البنت كان عندها حق… ربنا يعوض عليها.
خلال أسبوع واحد…
ندى كانت استأجرت شقة صغيرة قريبة من شغلها.
مش فخمة… لكن أول مرة تحس إنها بتتنفس من غير خوف، ومن غير حد يحاسبها على كل كلمة أو كل لقمة.
رجعت تهتم بنفسها، وضحكتها اللي كانت اختفت من سنين بدأت ترجع بالتدريج.
أما سامح…
فكان كل يوم يرجع البيت يلاقيه ساكت.
لا صوت ندى، ولا ريحة أكلها، ولا حتى خلافاتها.
وقتها بس عرف إن الإنسان ممكن يخسر أغلى حاجة… وهو فاكر إنها هتفضل مستنياه للأبد.
أما أم سامح…
فبقت كل ما حد يجيب سيرة اللي حصل في عيد ميلادها، تغير الموضوع بسرعة.
لأن اللي كانت فاكرة إنها كسرت كرامة مرات ابنها قدام الناس…
اكتشفت إنها هي اللي خسرت احترام الناس كلهم.
وفي يوم، وصل لندى ظرف صغير.
فتحته…
كان فيه ورقة واحدة بخط سامح:
“أنا اتأخرت في الاعتذار… ويمكن متأخر أوي. مش بطلب منك ترجعي… بطلب منك بس تسامحيني، لأنك كنتِ الزوجة الوحيدة اللي وقفت جنبي، وأنا للأسف وقفت أتفرج عليكي وانتي بتتكسري.”
ندى ابتسمت ابتسامة هادئة…
قفلت الجواب، وحطته في درج مكتبها.
سامحت…
لكنها ما رجعتش.
لأنها أخيرًا فهمت إن بعض الأبواب، أول ما تتقفل بكرامة…
ما ينفعش تتفتح تاني.
تمت.