كسرت ساقها – محمد نور

قال بصوت جاف خالٍ من أي مشاعر: «داليا… أنتِ دائماً تستفزين أمي! كان عليكِ أن تتعلمي كيف تصمتين.»

توسلتُ إليه والدموع تعمي بصري: «أرجوك طارق، أحضر سيارة إسعاف… قدمي تخدرت كلياً، لا أستطيع تحريكها!»

ألقى نظرة خاطفة على ساقي التي بدأت تنتفخ بسرعة، ثم وقف مجدداً وقال: «ليس الليلة… الليلة ستتعلمين ماذا يحدث عندما ترفضين السمع والطاعة.»

في الخارج، كان المطر الغزير يضرب النوافذ، وفي الداخل، أدركتُ أنني محاصرة بالكامل.

قبل أشهر، بدأ طارق ووالداه بسلبي تدريجياً كل ما يضمن لي حريتي واستقلاليتي: هاتفي، بطاقاتي المصرفية، رخصة قيادتي، جواز سفري، وحتى وثائقي الشخصية. ادّعوا أن ذلك لحمايتي، لكن الحقيقة كانت لضمان عدم قدرتي على الهرب. كانوا يراقبون كل مكالمة، ويتحكمون في راتبي، ويختلقون الأعذار كلما أردتُ زيارة عائلتي.

وبعد أن فقدتُ جنيني في العام الماضي، أصبحت الأمور أكثر سوءاً. وصفتني خديجة بـ “العاقر التي لا نفع منها”، بينما قال طارق ببرود إن الإجهاض بسّط الحياة لأن “الطفل كان سيخرب خططنا المالية”. وعندما ذكرتُ كلمة “الطلاق” يوماً ما، ضحكوا في وجهي، ثم أخفوا وثائقي وذكّروني بأنه لن يصدق أحد اتهامات امرأة “مريضة نفسياً ومتقلبة المشاعر”.

مستلقية بلارحمة على أرضية المطبخ، استمعتُ إلى طارق وهو يلتقط مفاتيح سيارته بكل أريحية. نادى أمه بمرح: «يا أمي، سأذهب لأشتري لكِ الحلوى التي تحبينها… ويا أبي، شغّل المباراة!»

خلال دقائق، كان صدى ضحكاتهم يتردد من غرفة المعيشة. تناولوا عشاءهم، شاهدوا التلفاز، واحتفلوا بأمسيتهم… بينما بقيتُ أنا وحدي على الأرض الباردة، عاجزة عن الوقوف، وكل نفس أتنفسه يرسل موجات ألم لا تُطاق عبر ساقي المكسورة.

مرت ساعات قبل أن يتكلم والده أخيراً: «ألا يجب أن نأخذها إلى الطوارئ؟»

فأجابه طارق: «لن تموت… غداً سنخبر الجميع أنها انزلقت على السلالم. وبعد هذا، ستستقيل أخيراً من عملها وتجلس في البيت لنبقيها تحت أعيننا.»

مسحت كلماته كل ذرة أمل كنت أتمسك بها. لم يكن هذا مجرد شجار عائلي، ولا تأديباً، ولا لحظة غضب خرجت عن السيطرة؛ لقد كان نظاماً محكماً للسيطرة الكاملة.

بعد منتصف الليل، سكن البيت أخيراً. باستخدام مرفقيّ فقط، بدأت أجرّ جسدي عبر أرضية المطبخ. كانت كل بوصة أتحركها ألمها لا يُطاق. تصبب العرق من وجهي وغامت رؤيتي، لكنني رفضتُ التوقف. وصلتُ أخيراً إلى غرفة الغسيل، وداخل درج الأدوات، وجدتُ أداة معدنية قديمة لفتح العلب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *