دفنوني لحد رقبتي

الهوا وهو بيحرك أوراق شجر الجنينة، و صوت أنفاسي المنتظمة من جوه الشفاطة.
طارق تعالي شوف التسجيلات من امبارح بالدقيقة والثانية.
الهزيمة الأولى في عيونهم
التراب اللي كان سادد حوليّ جسمي بدأ يتهيل أكتر بعد ما طارق حفر بإيده جنم كتفي، والحفرة بقت أوسع شوية، ده خلاني أقدر أحرك كوعي اليمين بحذر شديد. البيبي جوه بطني اتحرك تاني، كأنه بيطمني، أو كأنه بيقولي أنا هنا معاكي، كملي.
طارق خطف الموبايل من إيد أخته، وبدأ يقلب في الملفات الصوتية. كل ملف كان عليه توقيت وصوت واضح جدًا
الصبح الساعة 7 الصوت وهو بيقول إنتِ مبتفهمش غير لما تتبهدل.
الظهر الساعة 12 صوت أمه وهي بتقول هو البيبي جواها حاسس إنها بتتعاقب؟.
العصر الساعة 4 صوت نادين وهي بتديهم الأوامر وتبعد عشان رجل الكرسي م تتوسخش.
الصوت كان نقي جداً لأن الموبايل كان قريب من صدري ومن الشفاطة اللي الهواء كان بيمر منها مباشرة، مفيش أي تشويش، مفيش أي مبرر يقدروا يقولوه للشرطة أو لأهلي بعدين.
طارق رفع راسه وبصلي، وعينه كانت بتبرق بغضب أعمى، بس هالته القديمة كلها اتهدمت. ملامحه بقت ملامح عيل صغير اتقفش في مصيبة كبيرة
إنتِ إنتِ بتسجلي لينا إحنا؟ إحنا اللي سترنا عليكِ ودخلناكِ بيتنا؟
رديت بصوت مبحوح وناشف جداً، كأن طين الجنينة كله كان في زوري
أنا مسجلتش حاجة غلط يا طارق أنا بس كنت بسجل كلامكم عشان لما أقول لأهلي مترجعوش تقولوا بتتخيل وبتتوهم.
أمه صرخت بصوت عالي خلت بعض عصافير الجنينة تطير من فوق شجرة الليمون
أهلك مين يا قليلة الأصل؟! إنتِ عايزة تفضحينا عند الناس؟ إنتِ عايزة تدخلي ابننا السجن عشان شوية تربية؟!
تربية؟ دا اسمه تعذيب يا ماما.
الكلمة طلعت قوية وثابتة، رغم إني كنت مدفونة لحد رقبتي.
نادين مسكت دراع أمها وقالت بصوت مرعوب
يا ماما سيبك من الكلام ده دلوقتي شوفي هنعمل إيه؟ الموبايل ده لو وصل برّه، طارق هيترفض من الشغل، والشركة اللي بيشتغل فيها مابتتسامحش في القضايا دي، دا غير الفضيحة قدام الجيران!
محاولة المساومة الرخيصة
طارق قرب مني أكتر، وقعد على حيله خالص فوق الطين، حتى إن بنطلونه اتبهدل كله. مد إيده وحاول يمسك دراعي المرفوع بره الحفرة، وقال بنبرة استعطاف متصنعة
اسمعي يا أميرة حقك عليا. أنا كنت أعصابنا تعبانة، والشغل ضاغط عليا، وأمي كمان ضاغط علينا عشان البيت يلا، قولي لي أطلعك إزاي، ونتفق، هنصلح كل حاجة، وهجيب لك الدهب اللي عجبك الأسبوع اللي فات، بس امسحي الملفات دي، ولا أقولك؟ كسري الموبايل ده خالص قدامنا!
بصيت لشكله وهو قاعد في الطين بيترجاني، وضحكت بصوت خفيف طلع من أعماق صدري. الضحكة دي كانت تصفية حساب لكل الشهور اللي فاتت من التهميش والتحكم والتقليل من شأني.
أكسره يا طارق؟ ليه؟ هو الموبايل ده اللي غلط فيا؟ ولا إنت اللي كنت واقف في البلكونة بتضحك؟
يا بنتي اهدي، بطلي العناد ده! إحنا أهل!
أهل؟ الأهل بيخافوا على الروح اللي في بطن مراته مش بيدفنوها في الطين ويقولوا دي تربية!
أم طارق دخلت في الحوار بصوت حاد ومحذر
اسمعي يا بت إنتِ، لو خرجتِ من هنا ومسكتيش لسانك، وحكيتي حرف واحد لبرّه، والله ما هتباتي الليلة دي في البيت ده، ولا هتشوفي ابنك ده لو اتولد أصلاً، أنا أعرف أرميكِ برّه المولد كله وأخلي أهلك يندموا إنهم جابوكِ!
التهديد ده كان آخر مسمار في نعس أي محاولة تفاهم.
قلت بهدوء تام وأنا باصة في عينه مباشرة
النسخ الاحتياطية مش على الموبايل ده بس يا طارق. أنا كل تسجيل كنت بخلصه، كان بيبتع اوتوماتيكياً على الإيميل بتاع أخويا الكبير وبتاع محامي العيلة من غير ما تحسوا.
عيون طارق وسعت للآخر، ونادين صرخت
كدابة! إزاي عملتي كده والموبايل كان مقفول وكيس بلاستيك؟!
التكنولوجيا الحديثة يا نادين مش زي ما أنتم فاكرين، بتعرف تشتغل لوحدها لما الشبكة تلمح برج قريب. ودلوقتي يا إما تطلعوني حالا، يا إما تفتحوا الباب وتستنوا البوليس اللي زمانهم على وصول.
لحظة الخروج والتحول الأخير
طارق ما استستلمش بسهولة، بس الخوف كان خلاص أكل كل حتة فيه. بص لأمه نظرة أخيرة فيها استسلام تام، وبعدين نزل على كوعه وكف إيده وبدا يحفر بكل طاقته وبسرعة جنونية حوالين جسمي، كأنه بيحاول ينقذ رقبته هو مش أنا.
نادين جابت جورنال ومسحت بيه الموبايل كأنه شيلته، وأمه وقفت على جنب بتبرطم بكلمات غير مفهومة من القهر والغيظ.
بعد دقايق طويلة من الحفر العنيف، حسيت بكتفي اليمين بيتحرر، وبعدها دراعي، وبعدها رجلي اللي كانت منملة وساقعة زي التلج.
لما اترميت على عشب الجنينة المبلل، كنت مكسورة، شفايفي مشققة، هدومي كلها طين وريحتها عشب ومية راكدة، بس كنت بتمشى على رجلي، ورافعة راسي لفوق.
طارق وقف قدامي متردد، وقال بصوت واطي
أميرة احنا ممكن نقعد نتفاهم جوه
رفعت إيدي ووقفته بكلمة واحدة
مفيش كلام بيني وبينكم تاني.
دخلت جوا البيت، سحبت عباية نضيفة من الدولاب، ومسكت تليفوني الأساسي اللي كان مخبي في شنطة السفر فوق الدولاب، ومشيت بخطوات ثابتة ناحية الباب، وورايا كان بيتهم بينهار حتة حتة من غير ما أحتاج أرفع صوتي حتى.
الخاتمة
بعد شهرين بالضبط، كنت قاعدة في جنينة بيت أهل، الشمس كانت دافية وحلوة، والتراب مكنش عدو ليا تاني.
الموبايل القديم كان محطوط على الترابيزة قدام محامي العيلة، والتحقيقات كانت ماشية في طريقها الصح. طارق وأهله كانوا بيدوروا على محامين تانين، بس مفيش محامي قبل القضية دي لأن الأدلة كانت أصرح من الشمس.
حسيت بحركة قوية وجدية جوه بطني، حركة واضحة وصريحة لطتني بالابتسامة. حطيت إيدي على بطني، وبصيت للسما، وأنا متأكدة من حاجة واحدة بس
الست اللي بتسمع كلام جوزها غلط هي بس الست اللي بتعرف إمتى تسكت، وإمتى تخلي صوتها يزلزل الجدران.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *