دفنوني لحد رقبتي في تراب جنينة البيت، وأنا حامل، كذا يوم ورا بعض وكانوا كل شوية يرموا عليّا مية وحشرات، ويقولوا إن ده عقاب عشان بعاند ومبسمعش الكلام. وجوزي كان واقف على البلكونة بيتفرج عليّا وبيضحك. وأنا كنت بتنفس من خلال شفاطة بلاستيك كنت مخبياها من قبل ما يدفنوني. التراب المبلول كان ضاغط على فكي ورقبتي، ساقع زي التلج قبل الفجر، وبالنهار بيسخن كأنه نار. ريحة الجنينة كانت خليط من الطين، والعشب اللي لسه متسقي، والمية الراكدة اللي كانوا بيكبوها فوق شعري كل شوية. كل ما أسمع صوت باب البلكونة بيتفتح، كنت أعدّ خطواتهم وأنا مطأطية راسي. جوزي كان بيسمي اللي بيعملوه تربية. أمه كانت بتقول إنها بتعلّمني درس. وأخته نادين كانت كل ما تتكلم تقول مشاكل البيت ما تطلعش برّه البيت. وبعدها تسحب كرسيها شوية بعيد عن الطين، عشان رجل الكرسي ما تتوسخش. أما أنا فكنت لسه بتنفس. في أول يوم، حسيت بحركة صغيرة جدًا جوه بطني، كأن البيبي اتحرك تحت ضلوعي، وبعد ثواني الإحساس اختفى. فضلت ضاغطة بلساني على الشفاطة ومستنية يحرك تاني. مفيش حاجة حصلت. لما جوزي مال من فوق البلكونة وقال بصوت عالي ها؟ خلصتي عناد ولا لسه؟ نزلت عيني على التراب وسكت. هو افتكر إن سكوتي معناه إني استسلمت. وده كان أحسن حاجة ممكن تحصل. لأن تحت التراب، جنب كتفي اليمين، كان موبايلي متحطوط جوه كيس حفظ أكل محكم، وسيبت فتحة صغيرة عند الميكروفون. الشاشة كانت مقفولة، والموبايل كله مدفون معايا. كنت مخبياه قبل ما يسحبوني للجنينة. لأني قبلها بساعة سمعت جوزي بيقول لأمه دي مبتفهمش غير لما تتبهدل وتعرف مقامها. إيدي اليمين كانت مدفونة برضه، لكن الحفرة حوالين رسغي كانت سايبة لي مساحة صغيرة أحرك بيها صباع واحد. وكل كام ساعة، كنت ألمس زر التسجيل بصباعي وأبدأ تسجيل جديد. الصبح. وقت الضهر. وبعد ما ينوروا نور البلكونة بالليل. كل تسجيل كان فيه أصوات مختلفة لكن الضحكة كانت واحدة. ضحكة جوزي. كان بيقول إن الست اللي بتسمع كلام جوزها عمرها ما توصل للحالة دي. أمه كانت بتسأل بمنتهى البرود هو البيبي جواها حاسس إنها بتتعاقب عشان عنيدة؟ وأخته نادين كانت تقول متخافوش، الحشرات دي مش هتعملها حاجة. مع إنها كانت كل ما حشرة تقرب من رجلها تقوم ناطة بعيد. وأنا كنت بسجل كل حاجة. الموبايل مكانش هيقدر ينقذني. أنا كنت محتاجاه عشان حاجة تانية. لأن جوزي بقاله شهور بيقول لكل اللي حوالينا إني لما بتوتر بتتوهم وبتفهم الكلام غلط. فكنت محتاجة حاجة تفتكر اللي حصل من غير ما تخاف. تاني يوم، شفايفي كانت اتشققت من كتر ما كنت بتنفس من الشفاطة. رقبتي كانت بتلسعني من التراب المبلول، ورجلي الشمال بقالها ساعات مش حاسّة بيها. وكنت من يوم ما دفنوني في الجنينة ما كلتش لقمة. كان فيه نص ساندوتش محطوط في طبق بلاستيك فوق سور البلكونة. فضل هناك لحد ما الهوا وقع الطبق على الأرض. بعد شوية، جوزي نزل السلم وفي إيده جركن مية صغير. وقف قدامي لدرجة إني كنت شايفة الطين الناشف لازق في جوانب جزمته. وبصلي وقال لسه هتكملي في العند ده؟ بصيت على الجركن بدل ما أبصله. فتح الغطا، وبدأ يصب المية عليّا بالراحة، وكان متعمد ما يجيش ناحية الشفاطة. أمه كانت واقفة عند باب البيت بتتفرج. قال بصوت واطي أهو إحنا بنراعيكي برضه بعد كل اللي عملتيه. بلعت المية اللي وصلت لفمي، وسيبت الباقي ينزل على التراب. وفجأة البيبي اتحرك. حركة صغيرة جدًا. بس المرة دي كانت واضحة. حطيت صباعي على زر التسجيل وبدأت تسجيل جديد. جوزي قرب مني وقعد على ركبته، واتكلم بصوت هادي جدًا الصوت اللي كان بيستخدمه لما يكون فيه حد غريب حوالينا. كل اللي مطلوب منك تقولي إنك فهمتي ليه حصل فيكي كده. نفخت نفس من الشفاطة. وسكت. ما ادتلوش كلمة واحدة يقدر بعد كده يحورها ويقول إنها كانت اعتذار. ابتسامته اختفت. وبعد ساعات الموبايل اهتز تحت التراب. نادين قالت بسرعة يمكن تايمر الرشاشات. لكنها كانت عارفة كويس إن علبة التحكم بتاعة الرشاشات موجودة عند السور الناحية التانية من الجنينة. جوزي ما ردش عليها. نزل من البلكونة، وقرب مني. وبدأ يحفر بإيده حوالين كتفي. ضحكته اختفت. بصلي وقال إيه ده؟ أنا فضلت ساكتة والشفاطة بين شفايفي. حط إيده أكتر في التراب المبلول. وبدأ يدور بإيده جنب كتفي اليمين. وفجأة صابعه لمست كيس البلاستيك. سحب إيده بسرعة وبص لأخته وأمه. وبعدين همس إنتي جبتي معاكي حاجة للجنينة، صح؟ ولأول مرة من يوم ما دفنوني شوفت الخوف في عينه. لأن إيده كانت لسه ماسكة كيس الموبايل. وهو ما كانش عارف إن اللي سجله الموبايل لحد اللحظة دي، كان كفاية يهدّ بيتهم كله. الجزء الثاني إيده فضلت متعلقة في الهوا ثواني، كأنه بيمسك شيطان مش كيس بلاستيك جواه موبايل. التراب اللي كان على كفّه تساقط بصوت خفيف، ورجع لورا خطوة وكأنه بيبعد عن قنبلة موقوتة مش مجرد جهاز محمول. نادين جريت ناحية السلم، ونزلت درجاته بسرعة وهي بتكشكش بجلابية البيت بتاعتها عملت إيه يا طارق؟ سحبته ليه؟ إحنا اتفقنا ميكونش معاها أي حاجة! أمه طلعت من الصالون على صوتها، وكانت لابسة نظارة القراءة اللي بتنزل دايماً على طرف خشمها، وبصت للوضع من فوق السلم بملامح كلها جفاء مالكم؟ بتصوتوا ليه كأنها قيامة قامت؟ ما هو ده تربيتها، البت دي من يوم ما دخلت بيتنا وهي مفكرة نفسها في فندق. طارق بص للموبايل اللي في إيده، وبعدين بص لي. لسه الرهبة متملكة منه، بس غروره القديم حاول يرجعه زي ما كان. كحّ في إيده بصوت عالي، وعدل قميصه اللي كان متبهدل تراب إنتِ إنتِ يا ولية، فتحتي الموبايل ده إمتى؟ ومين ساعدك تخبيه أصلاً؟ أنا ما نزلتش عيني من عليه. الشفاطة البلاستيك كانت هي طوق النجاة الوحيد اللي بيخليني أخد نفسي، والضغط على رقبتي كان زاد لما هو حفر بإيده وخلخل التراب حوالين كتفي، بس كنت حاسّة بثبات غريب. الثبات اللي بيجي للإنسان لما يعرف إنه خلاص، مابقاش عنده ما يخسره. متكلميش؟ طب والله ليكون عاقبته أشد، طلّعوه! طلّعوا البت دي من الحفرة دي دلوقتي! ده إحنا كنا بنهزر معاها! كلمة بنهزر دي نزلت على وداني زي الصاعقة. مش عشان هي الحقيقة، لا دي عشان كانت أول مرة يعترفوا قدام بعض إن اللي بيعملوه مش تربية ولا تعديل سلوك، بل هو إجرام كامل متكامل، وكانوا خايفين منه. نادين قربت من أخوها وبحركة عصبية حاجة طارده خطفت الكيس من إيده هات كده أشوف، تلاقيها مخترعة حاجة ولا مسجلة صوتنا! أنتم عارفين القانون برّه عامل إزاي؟ أصحابي في الشغل لو عرفوا إننا عملنا كده، هيقولوا علينا همج! أمه نزلت خطوتين كمان لحد ما وقفت على عتبة البلكونة التحتانية، وقالت بصوت حاد همج في بيتنا؟ إحنا بنربي مرات ابننا اللي لسانها أطول منها! هاتي الموبايل ده يا نادين أشوف الكارثة دي. طارق مد إيده عشان يمنع أمه، بس كان أبطأ من نادين اللي فتحت الكيس البلاستيك وطلعت الموبايل. الشاشة كانت لسه منورة لسعات خفيفة من آخر تسجيل عملته، وكان مؤشر التسجيل بيدي وميض أحمر صغير شغال. نادين بصت للشاشة، ووشها أصفر وبقى أبيض في ثواني معدودة. بلكونة البيت بقت هادية تمامًا، مفيش غير صوت زقزقة عصافير بعيدة، وصوت لمحة نيوز الهوا وهو بيحرك أوراق شجر الجنينة، و صوت أنفاسي المنتظمة من جوه الشفاطة. طارق تعالي شوف التسجيلات من امبارح بالدقيقة والثانية. الهزيمة الأولى في عيونهم التراب اللي كان سادد حوليّ جسمي بدأ يتهيل أكتر بعد ما طارق حفر بإيده جنم كتفي، والحفرة بقت أوسع شوية، ده خلاني أقدر أحرك كوعي اليمين بحذر شديد. البيبي جوه بطني اتحرك تاني، كأنه بيطمني، أو كأنه بيقولي أنا هنا معاكي، كملي. طارق خطف الموبايل من إيد أخته، وبدأ يقلب في الملفات الصوتية. كل ملف كان عليه توقيت وصوت واضح جدًا الصبح الساعة 7 الصوت وهو بيقول إنتِ مبتفهمش غير لما تتبهدل. الظهر الساعة 12 صوت أمه وهي بتقول هو البيبي جواها حاسس إنها بتتعاقب؟. العصر الساعة 4 صوت نادين وهي بتديهم الأوامر وتبعد عشان رجل الكرسي م تتوسخش. الصوت كان نقي جداً لأن الموبايل كان قريب من صدري ومن الشفاطة اللي الهواء كان بيمر منها مباشرة، مفيش أي تشويش، مفيش أي مبرر يقدروا يقولوه للشرطة أو لأهلي بعدين. طارق رفع راسه وبصلي، وعينه كانت بتبرق بغضب أعمى، بس هالته القديمة كلها اتهدمت. ملامحه بقت ملامح عيل صغير اتقفش في مصيبة كبيرة إنتِ إنتِ بتسجلي لينا إحنا؟ إحنا اللي سترنا عليكِ ودخلناكِ بيتنا؟ رديت بصوت مبحوح وناشف جداً، كأن طين الجنينة كله كان في زوري أنا مسجلتش حاجة غلط يا طارق أنا بس كنت بسجل كلامكم عشان لما أقول لأهلي مترجعوش تقولوا بتتخيل وبتتوهم. أمه صرخت بصوت عالي خلت بعض عصافير الجنينة تطير من فوق شجرة الليمون أهلك مين يا قليلة الأصل؟! إنتِ عايزة تفضحينا عند الناس؟ إنتِ عايزة تدخلي ابننا السجن عشان شوية تربية؟! تربية؟ دا اسمه تعذيب يا ماما. الكلمة طلعت قوية وثابتة، رغم إني كنت مدفونة لحد رقبتي. نادين مسكت دراع أمها وقالت بصوت مرعوب يا ماما سيبك من الكلام ده دلوقتي شوفي هنعمل إيه؟ الموبايل ده لو وصل برّه، طارق هيترفض من الشغل، والشركة اللي بيشتغل فيها مابتتسامحش في القضايا دي، دا غير الفضيحة قدام الجيران! محاولة المساومة الرخيصة طارق قرب مني أكتر، وقعد على حيله خالص فوق الطين، حتى إن بنطلونه اتبهدل كله. مد إيده وحاول يمسك دراعي المرفوع بره الحفرة، وقال بنبرة استعطاف متصنعة اسمعي يا أميرة حقك عليا. أنا كنت أعصابنا تعبانة، والشغل ضاغط عليا، وأمي كمان ضاغط علينا عشان البيت يلا، قولي لي أطلعك إزاي، ونتفق، هنصلح كل حاجة، وهجيب لك الدهب اللي عجبك الأسبوع اللي فات، بس امسحي الملفات دي، ولا أقولك؟ كسري الموبايل ده خالص قدامنا! بصيت لشكله وهو قاعد في الطين بيترجاني، وضحكت بصوت خفيف طلع من أعماق صدري. الضحكة دي كانت تصفية حساب لكل الشهور اللي فاتت من التهميش والتحكم والتقليل من شأني. أكسره يا طارق؟ ليه؟ هو الموبايل ده اللي غلط فيا؟ ولا إنت اللي كنت واقف في البلكونة بتضحك؟ يا بنتي اهدي، بطلي العناد ده! إحنا أهل! أهل؟ الأهل بيخافوا على الروح اللي في بطن مراته مش بيدفنوها في الطين ويقولوا دي تربية! أم طارق دخلت في الحوار بصوت حاد ومحذر اسمعي يا بت إنتِ، لو خرجتِ من هنا ومسكتيش لسانك، وحكيتي حرف واحد لبرّه، والله ما هتباتي الليلة دي في البيت ده، ولا هتشوفي ابنك ده لو اتولد أصلاً، أنا أعرف أرميكِ برّه المولد كله وأخلي أهلك يندموا إنهم جابوكِ! التهديد ده كان آخر مسمار في نعس أي محاولة تفاهم. قلت بهدوء تام وأنا باصة في عينه مباشرة النسخ الاحتياطية مش على الموبايل ده بس يا طارق. أنا كل تسجيل كنت بخلصه، كان بيبتع اوتوماتيكياً على الإيميل بتاع أخويا الكبير وبتاع محامي العيلة من غير ما تحسوا. عيون طارق وسعت للآخر، ونادين صرخت كدابة! إزاي عملتي كده والموبايل كان مقفول وكيس بلاستيك؟! التكنولوجيا الحديثة يا نادين مش زي ما أنتم فاكرين، بتعرف تشتغل لوحدها لما الشبكة تلمح برج قريب. ودلوقتي يا إما تطلعوني حالا، يا إما تفتحوا الباب وتستنوا البوليس اللي زمانهم على وصول. لحظة الخروج والتحول الأخير طارق ما استستلمش بسهولة، بس الخوف كان خلاص أكل كل حتة فيه. بص لأمه نظرة أخيرة فيها استسلام تام، وبعدين نزل على كوعه وكف إيده وبدا يحفر بكل طاقته وبسرعة جنونية حوالين جسمي، كأنه بيحاول ينقذ رقبته هو مش أنا. نادين جابت جورنال ومسحت بيه الموبايل كأنه شيلته، وأمه وقفت على جنب بتبرطم بكلمات غير مفهومة من القهر والغيظ. بعد دقايق طويلة من الحفر العنيف، حسيت بكتفي اليمين بيتحرر، وبعدها دراعي، وبعدها رجلي اللي كانت منملة وساقعة زي التلج. لما اترميت على عشب الجنينة المبلل، كنت مكسورة، شفايفي مشققة، هدومي كلها طين وريحتها عشب ومية راكدة، بس كنت بتمشى على رجلي، ورافعة راسي لفوق. طارق وقف قدامي متردد، وقال بصوت واطي أميرة احنا ممكن نقعد نتفاهم جوه رفعت إيدي ووقفته بكلمة واحدة مفيش كلام بيني وبينكم تاني. دخلت جوا البيت، سحبت عباية نضيفة من الدولاب، ومسكت تليفوني الأساسي اللي كان مخبي في شنطة السفر فوق الدولاب، ومشيت بخطوات ثابتة ناحية الباب، وورايا كان بيتهم بينهار حتة حتة من غير ما أحتاج أرفع صوتي حتى. الخاتمة بعد شهرين بالضبط، كنت قاعدة في جنينة بيت أهل، الشمس كانت دافية وحلوة، والتراب مكنش عدو ليا تاني. الموبايل القديم كان محطوط على الترابيزة قدام محامي العيلة، والتحقيقات كانت ماشية في طريقها الصح. طارق وأهله كانوا بيدوروا على محامين تانين، بس مفيش محامي قبل القضية دي لأن الأدلة كانت أصرح من الشمس. حسيت بحركة قوية وجدية جوه بطني، حركة واضحة وصريحة لطتني بالابتسامة. حطيت إيدي على بطني، وبصيت للسما، وأنا متأكدة من حاجة واحدة بس الست اللي بتسمع كلام جوزها غلط هي بس الست اللي بتعرف إمتى تسكت، وإمتى تخلي صوتها يزلزل الجدران.