مناصفة- محمد نور خطيبِي المليونير كان يحاسبني حتى على نصف أجرة التاكسي… لكنه أنفق ثروة من أجل "صديقة طفولته" على مدى ثلاث سنوات، كان خطيبي على يقين تام بأنني أواعده فقط من أجل أمواله. كان "فارس" سليل إحدى أثرى وأعرق العائلات في العاصمة. وقبل أن نعلن ارتباطنا رسمياً، فرض عليّ ثلاثة شروط. وكان الشرط الأهم بالنسبة له بسيطة ومباشرة: كل شيء بيننا مناصفة بالنصف… 50/50. وجبات العشاء. تذاكر السينما. الرحلات والسفريات. حتى أجرة التاكسي أثناء العودة إلى المنزل. وافقتُ دون تردد. ظننتُ أن ثراءه الفاحش ربما جعله يمر بتجارب سيئة مع أشخاص طامعين، وأنه بحاجة فقط للشعور بالأمان. لم يخطر ببالي قط أنه سيستخدم هذه القاعدة يوماً ليشفني بالضبط أي مكانة أدنى أحتلها في قلبه. في إحدى الليالي، عدتُ إلى المدينة بعد رحلة عمل شاقة. أرسلتُ له رسالة: — "هل يمكنك أن تأتي لتأخذني من المطار؟" لم يأتِ فارس. بل أرسل لي تحويلاً بقيمة 30 دولاراً فقط. — "سيارة الأجرة تكلف نحو 60 دولاراً. هذه حصتي للنصف." قبلتُ التحويل. لم أجادل ولم أناقش. لكن في اليوم التالي مباشرة، عادت "دانا"، صديقة طفولته، من جولة في أوروبا. هبطت طائرتها في الثالثة فجراً. قاد فارس سيارته بنفسه متجهاً إلى المطار لاستقبالها. ولم يكتفِ بذلك، بل حجز مطعماً فاخراً بالكامل ليقيم لها حفل استقبال فاخر. تجاوزت الفاتورة النهائية مئات الآلاف. وعندما انتهى العشاء، أخرج فارس هاتفه، وفتح رمز الاستجابة السريعة (QR) للدفع، ثم وضعه أمامي بثبات. — "جميع الحاضرين أصدقاء مشتركون لي ولـ دانا. أما أنتِ فجئتِ كمرافقة لي." صمت قليلاً، ثم أكمل: — "عشاؤكِ كلف مئتي دولار. يمكنكِ تحويلها لي الآن." نظرتُ إليه في ذهول. ثم نظرتُ إلى دانا، المرأة التي أنفق عليها ثروة طائلة للتو. — "وماذا عن دانا؟ كم ستحول لك؟" عقد فارس حاجبيه واستنكر سؤالي كأنني قلتُ شيئاً مجنوناً. — "دانا؟!" ثم ضحك بسخرية وقال: — "هي من عائلة عريقة وكبيرة. نشأنا معاً وأعرف حجم ثروة عائلتها جيداً." ثم أضاف بثقة: — "دانا امرأة لا يمكن أن تقترب مني يوماً من أجل مالي." في تلك اللحظة بالذات… فهمتُ كل شيء. لم يكن الأمر يتعلق يوماً بالعدالة أو المساواة. ولا بحماية نفسه من الاستغلال. كان الأمر يتعلق بي أنا فقط. كنتُ المرأة الوحيدة التي يراها فارس محط شك واستغلال. والتنقل الوحيد الذي كان عليها أن تثبت باستمرار أنها تستحق أن تكون إلى جانبه. أخرجتُ هاتفي. سحبتُ الرمز الضوئي. وحولتُ له المئتي دولار فوراً. تم الدفع بنجاح. وبينما أضع هاتفي في حقيبتي، فكرتُ في نفسي: ممتاز. هذه الحسابات قد سُدِّدت بالفعل. والآن… لم يبقَ سوى تصفية حساب علاقتنا بأكملها. اقتربت دانا وهي تبتسم بثقة: — "إذاً أنتِ 'أميرة'؟ الخطيبة الخفية التي يحافظ فارس على إخفائها عن الجميع منذ ثلاث سنوات!" أمسكت بذكائي بودّ مفاجئ وأضافت: — "إنه يتحدث عنكِ كثيراً." كان فارس يدور مفاتيح سيارته "الفيstated" بين أصابعه وهو يرد متصنعاً اللامبالاة: — "فقط لأنكِ تسألين دائماً عن حياتي العاطفية، وإلا لما ذكرتُها أصلاً." ضحكا كلاهما. وابتسمتُ أنا أيضاً… ولكن ببطء شديد. طوال ثلاث سنوات، كنتُ أنا وفارس نعيش في نفس المدينة، ومع ذلك كان يمر يومان أو ثلاثة دون أن نتحدث. بينما هما، رغم اختلاف القارات وتفاوت التوقيت، كانا يتحدثان كل يوم دون انقطاع. اقترحت دانا أن يوصلني فارس إلى المنزل. أوشكت على فتح الباب الخلفي، لكنه أوقفها قائلاً: — "يا آنسة دانا، أنا لستُ سائقكِ الخاص." ثم فتح لها باب المقعد الأمامي بجانبه بنفسه. نظرت إليّ دانا وضحكت: — "فهمتُ الآن… تريد أن تكون السائق الخاص لخطيبتك فقط!" لم أعلق. جلستُ في المقعد الخلفي بهدوء. كانت هذه هي المرة الأولى منذ ثلاث سنوات التي يوصلني فيها فارس بسيارته. طوال الطريق، كانت دانا تشير إلى التفاصيل داخل السيارة: — "هذا العطر في السيارة هدية مني." — "وهذه التعليقة أيضاً من اختياري." — "هل ما زلت تحتفظ بكل ما أهديتك إياه؟" ثم بدأ يتنافسان ويتمازحان بخصوص صور قديمة للطفولة تحتفظ بها دانا في هاتفها. انحنت عليه وهي تحاول سحب الهاتف من يده، حتى كاد جسدها يلتصق به. كان يضحك بمرح، وهي تضحك أيضاً. وأنا، من المقعد الخلفي، أدركتُ حقيقة صادمة ومؤلمة: لم أكن أبدًا أبدو كخطيبته… بل كنتُ مجرد راكبة عابرة نسيا أن ينزلوها في الطريق. بعد أن أوصلنا دانا إلى قصرها، واصل فارس القيادة وهو يدندن بسعادة. سألته بصوت هادئ: — "هل كنتما دائماً هكذا؟" رد فوراً: — "بالطبع، منذ كنا أطفالاً." ثم ابتسم وهو يتذكرها: — "أعشق إغضابها… تبدو لطيفة جداً عندما تغضب." بعد دقائق، رنّ هاتف السيارة. ظهر اسمها على الشاشة مُسجلاً: "كابوسي المفضل". رد فارس وهو يضحك: — "هل اشتقتِ إليّ بالسرعة هذه؟" ذَكّرَته دانا بأن والدتها تنتظره على العشاء غداً، ثم سألته إن كان سيحضرني معه. أجاب فارس بنبرة حازمة: — "لا." — "أميرة من عائلة بسيطة وعادية، وهي غير معتادة على هذه الأجواء الأرستقراطية. لا أريدها أن تشعر بأنها غريبة أو غير مرتاحة." تجمدتُ في مكاني. ضحكت دانا وقالت: — "يبدو أنك تحمي خطيبتك الصغيرة أكثر من اللزم!" غيّر فارس الموضوع بسرعة، ووعد بأن يجلب معه إلى بيت عائلتها زجاجة عصير فاخرة ونادرة كان قد اشتراها بمبلغ خيالي، واتفقا على تناول العشاء في منزل عائلته بعد يومين؛ إذ إن والدته هي الأخرى تشتاق لـ دانا. عندما أوقف السيارة أمام بنايتي، كان ما يزال يتحدث معها عبر الهاتف. سألته: — "كم أدين لك مقابل هذه التوصيلة؟" لم يرد، وكأنه لم يستمع إليّ. لذا قمتُ بتحويل 50 دولاراً إلى حسابه. بعد دقائق من صعودي، أرسل لي رسالة: "ما هذا؟" رددتُ عليه: "حصتك من تكلفة الطريق." أعاد فارس المبلغ فوراً وكتب مع إيموجي ضاحك: "اليوم كنتُ أوصل دانا بالأساس… أنتِ فقط تصادف وجودكِ في الطريق 😂" ظلت عيناي معلقتين على تلك الجملة لوقت طويل. تصادف وجودكِ في الطريق. ثلاث سنوات من الحب والارتباط… وهذا هو موقعي الحقيقي والوحيد في حياته: شيء مريح لمجرد العبور… شيء عابر في طريقه. في تلك اللحظة، رنّ هاتفي. كانت والدي تناديني من أستراليا: — "أميرة يا حبيبتي، البيت الذي اشتريناه لكِ هنا في ميلبورن أصبح جاهزاً تماماً. متى تنوين الانتقال للعيش معنا؟" طوال سنوات، كنت أرفض تلك الفكرة من أجل فارس. لكن في تلك الليلة، أجبته بوضوح: — "في الوقت الذي ترغبون فيه." صمتت أمي لبرهة من المفاجأة ثم سألت: — "وماذا عن خطيبك؟ هل ستحضرينه معك لنلتقي به أخيراً؟" نظرتُ عبر النافسة إلى أضواء المدينة البعيدة. تفكرتُ في الـ 30 دولاراً في المطار… وفي الـ 200 دولار في المطعم… وفي دانا وهي تجلس في المقعد الأمامي بجانبه… وفي كلماته القاسية: "هي امرأة لا يمكن أن تقترب مني من أجل مالي". ثم أجبتُ بصوت ثابت: — "لا." تنقستُ بعمق وأضفت: — "لم يعد هناك داعٍ لذلك." ما لم يكن يدركه فارس بعد… هو أن "الفتاة البسيطة ذات العائلة العادية" التي ظل يختبرها ويقلل من شأنها لثلاث سنوات… كانت على وشك الاختفاء من حياته إلى الأبد. خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد