حمايا بيخش حمامي ٢ – زهرة الربيع

حماتي حطت صينية الشاي على الطاولة بالراحة، وبصتلي وقالت بصوت واطي ومبحوح كأنها بتخبي سر خطير: “تعالي معايا جوة يا ألاء.. تعالي يا بنتي أما أقولك على اللي فينا.”
​دخلت معاها المطبخ وقفلت الباب بالراحة. حماتي مسكت إيدي وكان إيدها بترتعش، ونزلت دموعها قصب عنها وقالتلي:
“حقك عليا يا بنتي.. حقك عليا في كل لحظة اتكسفتي فيها ولا اتضايقتي.. المشكلة مش في الحمام، ولا السباكة، ولا الهوا.. المشكلة الحقيقية إن عمك عنده مرحلة متقدمة من الخرف والزهايمر المبكر!”
​الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة! قلبي دق بسرعة وبصيت لها وأنا مش مصدقة: “زهايمر؟!”
ردت حماتي وهي بتمسح دموعها بطرف شالها: “أيوه يا بنتي.. بقاله أكتر من سنة على الحال ده، والطب النفسي والدكاترة قالولنا إن حالة مخه بتتراجع. هو مبيبقاش فاكر السكة، وفي مخيلته الشقة تحت دي هي البيت القديم بتاع زمان اللي كان مخنوق فيه، ولما بيطلع عندكم فوق، بيفتكر إنه دخل بيته الجديد اللي كان بيحبه زمان، عقله الباطن بيربط بين طلوع السلم وبين إنه رايح مكان مريح بالنسبة له!”
​كملت حماتي بقلة حيلة وصوت بيتقطع: “إحنا خبينا عليكي وعن الناس كلها يا ألاء عشان نستره في آخر أيامه.. الراجل طول عمره كان له هيبة وكلمة وسط المنطقة، ومكونش عايزين حد يبص له بنظرة شفقة أو يقول ده الراجل خرف.. وجوزك كان مكسوف ومحرج جداً يقعد معاكي في أول أيام جوازكم ويقولك إن أبوه مريض بالمرض ده، كان خايف تضايقي أو تخافي أو تحسي إنك اتدبستي في عيلة فيها حد مريض.”
​أنا لساني اتعقد، والكسف أكل وشي.. افتكرت كل لحظة اتأفأفت فيها،

وكل مرة خبيت فيها هدومي وأنا متضايقة، وحسيت بذنب رهيب يهد جبال.
بس حماتي كملت كلامها وهي بتنهد بتعب شديد: “بس الموضوع مبقاش بس حمام يا ألاء.. المرض بيزيد عليه بسرعة رهيبة وبقى يخرج عن سيطرتنا.. ده الأسبوع اللي فات بس، بينزل من البيت من غير ما نحس، ويخبط على جيراننا في أول الشارع يطلب منهم كوباية شاي! رغم إننا بنبقى لسه شاربين الشاي وسامعين كلامه وعاملينله كل اللي عايزه، بس عقله بيفصل فجأة ويتهيأله إنه معندوش أكل ولا شرب في البيت!”
​واستطردت وهي بتبكي بحرقة: “والأسبوع اللي قبله، فتح باب الشارع ومشي في الشارع بالجلابية البيضا، وفضلنا نلف عليه المنطقة كلها أنا وجوزك زي المجانين لحد ما لقيناه قاعد على الرصيف مش عارف هو فين ولا عارف يرجع إزاي.. جوزك بيطلع ينام ساعة بالعافية وبيجري وراه، وشايل هم كبير أوي فوق طاقته، وكان مكسوف يصارحك عشان متشيليش الهم من أول شهر جواز وتفكري إن حياتك اتدمرت.”
​نقطة التحول.. من الضيق إلى الرحمة
​في اللحظة دي، حسيت إن جبل من الخجل نزل على دماغي. افتكرت جوزي لما كان بيسكت ويقولي “استحملي يا ألاء شوية والموضوع هيعدي”.. أثره كان شايل الهم لوحده، بين ناريين: نار إنه يحافظ على كرامة أبوه ويستر مرضه، ونار إنه شايف مراته العروسة الجديدة متضايقة ومش عارف يبرر لها من غير ما يكشف سر أبوه!

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *