سر القلادة – محمد نور

* “طريقتكِ في الكلام تحرجني أمام الآخرين.”

وليلة الأمس، تحت أضواء الثريات البراقة في القاعة الكبرى، ألقى على مسامعها القول الأشد قسوة على الإطلاق:

تمتم بحزم وقسوة: “ابقِ بالقرب من المطبخ أو الممرات الخلفية، ولا تُعرّفي نفسكِ لأحد الليلة على أنكِ زوجتي. إن سألكِ أحد، قولي إنكِ تعملين ضمن تنظيم الحفل.”

وقفت مريم مذهولة في مكانها.

كانت تطوق جليًّا بين أناملها قلادة فضية قديمة تتشبث بها تلقائيًا كلما شعرت بالصغر والضعة. قلادة على شكل نصف شمس، صُنعت يدويًا منذ عقود.

كانت الحجة فاطمة قد سلمتها إياها قبل أن تفارق الحياة، وقالت لها بصوت ضعيف وهي على فراش الموت: “لقد وجدتكِ بعد حريق هائل قبل ثلاثين عامًا… كان هناك أثر حرق صغير عند ترقوتكِ… وهذه القلادة مشدودة بقوة في قبضتكِ الصغيرة.”

كانت تلك الخيط الوحيد الذي تملكه مريم عن ماضيها وهويتها.

في داخل القاعة، تحول طارق إلى التنفيذي المثالي؛ يرسم الابتسامات، ويصافح بحرارة، ويقهقه بصوت عالٍ مع رجال تتجاوز ثرواتهم المليارات.

أطاعت مريم بأدب ووقفت بقرب طاولة الحلويات، متظاهرة بعدم ملاحظة زهد زوجها فيها وتعمده تجنب التلاقح بالأعين معها.

وفجأة… خيّم صمت تام على القاعة بأكملها.

لقد وصل مالك مجموعة “مؤسسات الشريف”: الحاج إسماعيل الشريف.

الملياردير العجوز البالغ من العمر اثنين وسبعين عامًا، الذي كان بمقدور كلمة منه أن تبني مستقبلاً مهنيًا أو تهدمه في لحظات.

دخل إسماعيل بهيبة وقار، وإلى جواره شقيقته الكبرى، السيدة ثريا، يتبعهما الحراس الشخصيون على بُعد خطوات.

هرول طارق نحوهما حثيثًا حتى كاد يتعثر: “أهلاً بك يا حاج إسماعيل… هذا شرف عظيم لنا.”

صافحه إسماعيل ببرود ودون حرارة: “قيل لي إنك أحضرت زوجتك معك الليلة.”

تصلب طارق في وقفته وانقبضت ملامحه: “نعم يا سيدي… إنها متواجدة في مكان ما هنا… هي خجولة بعض الشيء ولست معتادة على هذه الأجواء.”

وبإشارة ملؤها الضيق، أومأ لمريم كي تتقدم.

دنت مريم بخطوات بطيئة، مرفوعة الرأس رغم لظى الخزي الذي يكتوي به صدرها…

قال طارق بسرعة: “يا سيدي إسماعيل، هذه مريم… مريم تساعد في تنظيم الحفل.”

مدت مريم يدها بالسلام بأدب جم.

لكن إسماعيل لم يمد يده إطلاقًا.

بل شاخصت عيناه واستقرتا بثبات على القلادة المتدلية حول عنقها، وانحسر الدم عن وجهه في ثوانٍ معدودة ليصبح شاحبًا كالورق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *