فستان المهرج – محمد نور

قال بمجرد أن ركبنا وبدأت المساحات تتحرك ببطء على الزجاج: «لدي فستان في الصندوق.. الحقيقي. طلبت نقله إلى سيارتي البارحة تحسّباً لأي طارئ».

نظرت إليه بدهشة: «كنت تظن شيئاً كهذا؟»

«كنت أشتبه في ذلك»، قال بهدوء. «نوال لا تحسن إخفاء احتقارها كما تظن. ولم أكن لأسمح لكِ بالسير في ذلك الممر دون شيء ترتدينه لاحقاً مهما حدث».

ضحكت حينها، لأول مرة طوال اليوم، شعرت بشيء ينفك في صدري كان مشدوداً منذ اللحظة التي رأيت فيها ذلك الأنف الإسفنجي الأحمر حيث ينبغي لطرحتي أن تكون.

«لا أحتاجه»، قلت. «ليس اليوم. أود العودة للمنزل بهذه الملابس حقاً.. لأتركهم يرون تماماً ما كنت مستعدة لارتدائه بدلاً من السماح لشخص ما بإقناعي بأنني صغيرة».

ابتسم أبي، وشغل المحرك، وابتعدنا عن قصر آل عنان.

الفصل الخامس: الحياة الجديدة وبناء المعنى

الأيام التي تلت ذلك مرت بسرعة غريبة ومشوشة.. تلك السرعة التي تتبع الأحداث الكبرى عندما يحمل كل ساعة وزن قرار مصيري. هاتفني رنين بلا توقف طوال تلك الليلة: وصيفات يطمئنئن، أقارب ب رسائل مرتبكة، وصحفية مجتمع محلية تسأل عما إذا كنت أرغب في التعليق على “حادثة قصر آل عنان”. لم أرد على أي منهم. جلست على أريكة أبي، ما زلت بزي المهرج لأن جزءاً عنيداً مني رفض تغييره حتى أشعر بالاستعداد، وتركته يعد لي الشاي كما كان يفعل عندما كنت صغيرة.

«لا يتعين عليكِ الحديث عن الأمر»، قال وهو يضع الكوب أمامي. «ليس اليوم.. ليس حتى تشعري برغبة في ذلك».

«أريد ذلك»، قلت، مفاجئة نفسي. «أعتقد أنني بحاجة لقوله بصوت عالٍ، وإلا سيبقى عالقاً في مكان لا أستطيع بلوغه».

حينها أخبرته بكل شيء.. ليس فقط عن الصباح، بل عن ثمانية عشر شهراً سبطته. عشاء الخطوبة الذي صوبت فيه نوال آداب المائدة الخاصة بي أمام العائلة بأكملها بابتسامة لم تُشعر أحداً بالقسوة بل بدت كإرشاد مفيد. تذوق الكعكة الذي رفضت فيه خياراتي دون أن أنهي جملتي.. وعشرات المواقف الصغيرة التي صمت فيها فارس أو ضحك موافقاً أمه وهي تقلل من شأني.

«لم يكن الحب يتطلب يوماً قبول القسوة من الأشخاص المحيطين بمن تحب»، قال أبي. «تلك لم تكن صفقة ملزمة لكِ أبداً».

تلقيت مكالمات من فارس في الأسبوع التالي. تركت ثلاثاً منها تذهب للبريد الصوتي، وفي الرابعة رددت لأستمع لما إذا كان صوته قد تغير.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *