مقدم بحري – محمد نور

زارني عمي سليمان في القاعدة الجوية بعد أسبوعين، ووقف في غرفة الإيجاز تحت صور الطيارين الذين قمت بتدريبهم.

قال لي: “كنت أحترم ‘النجم القطبي’ قبل أن أعرف اسمها… وكان يجدر بي احترام زوجة ابني دون الحاجة للجوء إلى أسطورتها.”

“نعم يا سيدي، كان يجدر بك ذلك.”

هز رأسه وقال: “أنا آسف يا لينا.”

قبلتُ اعتذاره لأنه جاء خالياً من الأعذار والتبريرات.

في الربيع التالي، دعاني سليمان للحديث في جمعية المتقاعدين العسكريين، وقدّمني للجميع ببساطة قائلاً: “المقدم لينا العامري، قائدة طائرة حربية، ومدربة، وفرد من عائلتي فشلتُ في رؤية قدرها بوضوح.”

وقف الحضور احتراماً، لكن اللحظة الأهم جاءت بعد ذلك؛ إذ تقدم عمر بن محسن مع زوجته وابنته الصغيرة، واحتضنني وهمس: “أخيراً التقيتُ بالصوت الذي أعادني إلى بيتي سالماً.”

لم يكن طارق هناك؛ فالاحترام لم يعد استعراضاً يمكنه تقديمه بعد كشف أمره، بل أصبح امتيازاً يتوجب عليه كسبه مع مرور الوقت.

وأثناء عودتنا إلى المنزل، مد إياد يده ليحتضن يدي، وانتظر حتى اخترتُ أنا أن أباد له اللمسة.

قضيت سنوات وأنا أعتقد أن الكرامة تعني تحمل الإساءة بالصمت. لكن تلك الليلة علمتني غير ذلك؛ الصمت قد يكون مهنياً، وقد يكون صبراً، ولكن عندما يعلّم الصمت الآخرين أن قلة الاحترام بلا ثمن… يصبح الحديث حينها أسمى صور احترام الذات.

خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *