العم منصور

وبعد خمس دقائق، لم يعد يذكر من هي فاطمة.

خسر سلمان أيام عمل كاملة وهو ينقله إلى المستوصف الريفي. أخبره الطبيب أن الشيخ يعاني من الجفاف وسوء التغذية وتدهور ذهني، لكنه لا يحمل أي مرض معدٍ، وكل ما يحتاجه هو الغذاء، والراحة، والبيئة الآمنة.

عند العودة، انفجرت مريم غاضبة:

— خسرت حصاد يومين من أجل رجل لا يتذكر حتى اسمك!

— لكنه يتذكر أنهم تخلوا عنه.

— نحن لدينا حياتنا أيضاً يا سلمان!

— وأنا أريد أن أنظر في عينيكِ غداً وأنا أعلم أننا لم نترك إنساناً يموت لنريح أنفسنا من المشاكل.

بكت مريم من القهر، لكنها دخلت الغرفة بعدها، غيرت الفراش، وأعدت حساء دافئاً.

— هذا لا يعني أنني موافقة.

— بل يعني أنكِ أفضل بكثير مما تحاولين إظهاره.

مع مرور الأسابيع، تغير حال البيت. كان سلمان يخرج العم منصور ليجلس تحت الشمس، ويُوكل إليه مهام بسيطة: فرز بذور الزراعة، أو إمساك أداة، أو تفقد السياج. والغريب أن جو المزرعة كان يهدئ من روعه؛ فما إن يلمس التراب حتى يبدو وكأنه يستعيد شيئاً من ذاته القديمة.

في أحد الأيام، بينما كان سلمان يدق لوحاً خشباً، تحدث العم منصور بنبرة واضحة جعلت سلمان يتوقف مذهولاً:

— لا تضرب هناك، ستفلق الخشب.. اضرب أسفل منها بثلاثة سنتيمترات.

نفذ سلمان النصيحة، فدخل المسمار بانسيابية.

— هل كنت تعمل في الفلاحة يا حاج؟

قطّب الشيخ جبينه وقال:

— كنت أبيع البذور… والسماد… وكانت لدي مخازن تجارية.

ثم عادت الغيامة لتغطي عقله من جديد.

بعد ثلاثة أشهر، كان العم منصور يمشي متكئاً على عصاه، ويجري أحاديث أطول وأكثر تماسكاً. وكفت مريم عن مناداته بـ “الرجل”، وأصبحت تزيد في حصته من الخبز دون أن يطلب منها أحد.

وفي أحد الأيام، بينما كان سلمان يصلح السياج، ناداه العم منصور باسمه:

— سلمان، تعال.. أنا اليوم أعرف من أنا بالضبط.

ترك الشاب المطرقة واقترب:

— أسمعك يا عم.

— ابنتي فاطمة وزوجها سلباني كل ما أملك باستخدام وكالات وقّعتها عندما بدأت أنسى.. ثم تركاني في الخلاء ليعتقد الجميع أنني مفقود. لكنهما لم يصلا إلى أهم شيء.

سرى قشعريرة في جسد سلمان:

— أي شيء؟

نظر إليه الشيخ بثبات وقال:

— أرض لا يعلم عنها أحد… وثروة ما زالت مخبأة هناك.. وأريدها أن تكون لك.

الجزء الثاني

فكر سلمان في البداية أن تلك الثروة ليست إلا شظية أخرى من ذاكرة “العم منصور” المتشظية، لكن الشيخ بدأ يصف بتفاصيل دقيقة التواريخ، وأسماء الموثقين، والطرقات، وحتى لون باب خشبي كان قد أمر بطلائه قبل ثمانية عشر عاماً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *