العم منصور
ابتسمت فاطمة بحقد ورفعت بلاغاً رسمياً:
— استعد إذاً.. سأطالب بنبش القبر، وإبطال تلك الوصية، وأثبت أنك قتلته لتستولي على ثروته!
الجزء الثالث
هزّ الاتهام أرجاء القرية. وقف بعض الجيران الذين شهدوا رعاية سلمان للعم منصور في صفه، بينما بدأ آخرون يتهامسون بأنه ما من رجل فقير يحصل على ثروة دون أن يرتكب شيئاً مظلماً.
طالبت فاطمة بإبطال الهبة بدعوى أن والدها كان يعاني من الخرف، وأكد زوجها صالح أن سلمان عزله ليمارس عليه الخداع والسيطرة. لكن المحامية سهام كانت قد جهزت كل خطوة بدقة.
قدمت أمام المحكمة ملف المستوصف الريفي، والشهادة الطبية التي تثبت الأهلية والصفاء الذهني، وشهادة موثق العقود، وصوراً للعم منصور خلال أشهره الأخيرة. كما شهدت مريم دون أن تحاول لعب دور البطولات:
— لم أكن أريد استقباله، وتجادلت مع زوجي لأن مالنا كان قليلاً وكنت خائفة.. لكنني رأيت بعد ذلك كيف كفّ العم منصور عن الصراخ عندما أدرك أن أحداً لن يطرده مجدداً.
أما الضربة الأقوى فكانت عندما أوضح الطبيب أن التدهور الذهني لدى العم منصور لا يلغي تلقائياً قدرته على اتخاذ القرارات في فترات الصفاء. ثم ظهر أحد الجيران الذي كان قد شاهد —قبل أشهر— فاطمة وزوجها يتركان الشيخ طريحاً على جانب الطريق.
شحب وجه فاطمة.
فنظرت إليها القاضية وسألتها:
— هل كنتِ تعلمين أن والدكِ على قيد الحياة؟
فأجابت بتلعثم:
— كان متخبطاً وكان يهرب من البيت.
فقالت القاضية:
— السؤال هو: هل كنتِ تعلمين أنه حياً؟
فلم تجب فاطمة.
كما لم يظهر التحقيق في الوفاة أي شبهة جنائية؛ فقد توفي العم منصور لأسباب طبيعية. وهكذا تسببت المطالبة بنبش الج\ثة —التي أصرت عليها فاطمة— في تدمير ادعائها بالكامل.
في النهاية، أقرت المحكمة بصحة نقل الملكية والوصية، وحافظ سلمان قانونياً على الأرض والخيرات التي وهبه إياها العم منصور.
وعند الخروج، واجهته فاطمة ودموع الغضب في عينيها:
— لقد استحوذت على ما كان يحق لي!
فنظر إليها سلمان دون أن يرفع صوته:
— لا، لقد خسرتِ حقكِ قبل أن أظهر أنا بزمن طويل.. خسرتِ أباكِ عندما قررتِ أن رعايته تكلف أكثر مما يستحق.
لم تجعل الثروة من سلمان رجلاً مختلفاً؛ إذ واصل حياته في الفلاحة، وإن كان قد أنشأ نظام ري حديث، وسدد ديونه، ووسع رقعته الزراعية. كما اشترى بيتاً أكثر راحة لمريم، لكنه رفض التخلي عن الشاحنة القديمة التي أقلّ بها العم منصور أول مرة.