العم منصور

وضعت مريم يديها على فمها من الصدمة!

كان في الداخل حزم من النقود المحفوظة بعناية من الرطوبة، ومسكوكات ذهبية قديمة، وقطع من حلي زوجته الراحلة، وحجج ملكية. لم يكن خبئاً عشوائياً، بل كان تخطيط رجل حصيف توقع جشع أقرب الناس إليه.

— يا عم منصور… هذا كثير جداً!

أجاب الشيخ بنبرة شجن:

— الكثير حقاً هو أن يتركوني ملقى كالقش في الطريق.. أما هذا فمجرد مال.

لم يلمس سلمان أي شيء حتى استشار محامياً. وعن طريق إمام مسجد في قرية مجاورة، وصلوا إلى الأستاذة “سهام”، وهي محامية معروفة بنزاهتها وتخصصها في قضايا التركات والأراضي.

استمعت المحامية للقصة وكانت حازمة:

— إذا كان العم منصور يريد التصرف في أملاكه، فيجب أن نثبت رسمياً أنه في كامل قواه العقلية ويُدرك ما يوقع عليه. سيكون هناك طبيب، وموثق عقود، وشاهداً عدل.. لا مكان للأوراق العرفية هنا.

وفي أحد الأيام التي كان فيها الشيخ في أوج صفائه الذهني، أصدر الطبيب شهادة تؤكد إدراكه الكامل لتبعات قراراته. وأمام موثق العقود، نقل ملكية الأرض إلى سلمان، وكتب وصية أوضح فيها أسباب استبعاده لابنته فاطمة، وأثبت أن جزءاً من أملاكه قُدّم في حياته كوهبة رداً للجميل لسلمان ومريم.

— هم لا يأخذون مني شيئاً رغماً عني — أعلن العم منصور أمام الشهود — أنا أقرر من يعاملني كإنسان بعدما عاملتني ابنتي كعبء.

استخدم سلمان جزءاً يسيراً من المال لبناء بيت بسيط على تلك الأرض: غرفتان، ومطبخ، وحمام، وشرفة واسعة تطل على المشهد الريفي.

عاش العم منصور هناك أربعة أشهر. وكان سلمان ومريم يتناوبان على مرافقته ورعايته. وفي بعض الصباحات كان ينسى التواريخ، لكنه لم ينسَ قط الزوجين اللذين أنقذا حياته.

وفي إحدى اللحظات المبكرة من الصباح، دخل سلمان يحمل الخبز الدافئ ليجد العم منصور جالساً على أريكة الشرفة، بوجه هادئ، وممسكاً بصورة زوجته أمينة بين يديه. لقد فاضت روحه إلى بارئها أثناء نومه.

دفنوه تحت شجرة سدر، تماماً كما طلب.

لكن بعد ثلاثة أسابيع، توقفت سيارتان سوداوان أمام بيت سلمان، ونزلت منهما فاطمة، وزوجها صالح، ومعهما محاميان ورجل تحقيق.

لم تسلم فاطمة حتى، بل قالت مباشرة:

— أنت الفلاح الذي خطف والدي!

وقف سلمان بثبات وقال:

— أنا الرجل الذي انتشله بعد أن ألقيتِ به في الطريق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *