قبل الولادة – زهرة الربيع

السفر وال…
أبويا قطعه بكلمة واحدة وبصوت هز الصالة ولا كلمة يا عادل! ال 15 ألف اللي إنت ادتهوملها دول حقها وحق ابنك، واللي دفعه بيت أبوها أكتر من كده بكثير وما تكلمناش ولا حاسبناك.. بس إنت جيت على الكرامة، والكرامة عندنا خط أحمر. قومي يا سمر.. لمي هدومك وهدوم ابنك.
أنا ساعتها كنت واقفة ودموعي نازلة بس مش دموع قهرة، دي كانت دموع فخر بأبويا الراجل العظيم اللي جاب لي حقي وكسر عين اللي حاول يقلل مني ومنه. عادل جيه يمسك إيد أبويا ويعتذر يا عمي حقك عليا، أنا آسف، والله الشيطان غواني، أنا كنت متوتر من مصاريف الجواز والولادة والشغل..
أبويا زق إيده بالراحة وقال له الراجل يبان في المواقف يا عادل، إنت استرخصت مراتك واستكترت عليها اللقمة والدوا وهي نفاس، وما احترمتش شيبة راجل كد أبوك. الفلوس أهي على الترابيزة، وبنتي هتروح معايا ترتاح وتفكر، ولما تعرف قيمة مراتك وابنك وتعرف يعني إيه فتح بيت ومسئولية.. نبقى نتكلم.
أمي أخدت البيبي، وأنا دخلت الأوضة ألم هدومي بسرعة والدموع محبوسة في عيني، بس المرة دي كانت دموع ارتياح مش كسرة. خرجت وشايفة عادل واقف في وسط الصالة مش قادر يرفع عينيه في عين أبويا، والفلوس مفروشة قدامه على الترابيزة تشهد على بخل قلبه وبجاحته اللي انقلبت عليه.
قبل ما نخرج من الباب، عادل حاول للمرة الأخيرة ووقف قدام أبويا وقال له بصوت مخنوق ومترجي يا عمي أرجوك، ما تمشيش وهي زعلانة، الناس في الشارع والعمارة هيقولوا إيه لما تشوفكم نازلين بالشنط والبيبي في نفس اليوم اللي رجعت فيه من السفر؟ !
أبويا بص له من فوق لتحت وقال له بصرامة اللي يخاف على كلام الناس، يعمل حساب لكرامة أهل بيته الأول يا عادل! كلام الناس ما يهمنيش في حاجة، اللي يهمني إن بنتي تتربى في عز، وترجع لبيت يعرف قيمتها ويصونها.
خرجنا وسيبناه واقف لوحده في الشقة الفاضية، وسمعت صوت الباب بيهبد ورانا. نزلت مع أبويا وأمي، وحسيت لأول مرة من يوم ما اتجوزت إن ليَّ ضهر وسند حقيقي مش ممكن يتكسر. أبويا شال عني شنطة الهدوم وركبنا التاكسي، وطول السكة كان بيبص لي بحنية ويقولي ما تزعليش يا سمر، حقك عندي، والراجل اللي ما يعرفش قيمة النعمة اللي في إيده، لازم يعطش عشان يعرف تمن المية.
أول ما وصلنا بيت أهلي، أمي أخدت الولد في حضنها وقعدت تهديني، وأبويا قفل تليفونه وقال مفيش كلام معاه خالص دلوقتي، سيبوه يتستوي في نار أعماله.
من نفس الليلة، يبدأ عادل رحلة التوسل. التليفون ما بطلش رن، رسائل على الواتساب بالساعات، يعتذر فيها ويبوس الأيادي، ويبعت صور للفلوس وهي على الترابيزة ويقولي والله ما لمست الفلوس، والله العظيم الفلوس دي جرحتني أكتر ما جرحتكم، أنا عرفت إني غبي وحقير، أرجوكِ قولي لأبوكي يسامحني.
لكن أبويا كان مصمم على موقفه، ورفض يرد على أي مكالمة منه لمدة أسبوع كامل. وفي الأسبوع ده، عادل عرف يعني إيه البيت يفضى عليه، ويعني إيه يبقى معاه الفلوس بس محروم من مراته وابنه اللي بيملوا عليه الدنيا. كان بيكلم أختي الكبيرة ويتحايل عليها تدخل، ويقولها إنه مش عارف ينام ولا يأكل، وإن الشقة بقت كئيبة ومن غير روح من غيرنا.
بعد أسبوع من المرار اللي عاشه عادل، أبويا وافق يقابله، بس بشرط المقابلة مش هتبقى في بيتنا ولا في بيته، المقابلة هتبقى في بيت كبير العيلة، عمي الحاج كمال، وقدام كبار العيلة كلهم!
يوم القعدة، جه عادل وهو شكله متغير خالص، وشه شاحب وعينيه منفوخة من كتر التفكير وقلة النوم. أول ما دخل وقعد قدام الرجالة، عمي الحاج كمال بص له وقال له جرى إيه يا عادل؟ بقى جاي تحاسب راجل طيب زي الحاج على مصاريف بنته وعلاج ابنك؟! هي دي الأصول اللي تربيت عليها؟!
عادل وطي رأسه للأرض، وما قدرش ينطق بكلمة واحدة تدافع عن نفسه. قام من مكانه ومشي لحد ما وقف قدام أبويا، وباس على رأسه وإيده قدام الكل وقال بصوت مكسور أنا آسف يا عمي.. حقك عليا وعلى رأسي من فوق، أنا غلطت غلطة عمرها ما تتكرر، وشيطان نفسي هو اللي عماني. أنا عرفت إني ما تسواش حاجة من غير سمر وابني، وأنا مستعد لأي شرط تطلبه.
أبويا بص له بهدوء وقال له الشرط مش فلوس ولا كتب مشارطة يا عادل.. الشرط إنك تفهم إن بنتي مش جيايلك من الشارع، ولا أكلت في بيت أبوها على حساب حد. بنتي ليها كرامة، وتعرف إن اللقمة اللي تدخل بيتكم تبقى بالمعروف والرضا، مش بالحساب .
عادل كتب على نفسه تعهد وشهد عليه عمي وكل كبار العيلة، إنه يتكفل بكل مصاريف بيته وابنه كاملة، وما يتدخلش في مصاريف نفاس ولا علاج، وتعهد بحسن المعاملة والاحترام الكامل ليا ولأهلي. ورجعت بيتي مرفوعة الراس، وعادل من يومها اتغير 180 درجة، بقى بيعمل ألف حساب لكل كلمة بيقولها، وعرف إن ورايا راجل لو اتخلت عني الدنيا كلها، كرامتي عنده بالدنيا وما فيها!

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *