سلفتي الفرن بتاعها باظ ١ – منى السيد

تحت عند حماتي. خلاص، جابت آخرها معاه، وأنا عرفت إزاي أفركش الليلة دي كلها من جذورها. عاملة نفسها الشاطرة الهانمة اللي بتعرف تدبر وتطبخ، وكل ما أدخل عندها ألقى الرز مفلفل بالقشطة واللحمة بتدوب، وعاملة لي فيها ست العارفين وهي أصلًا جاية من بيت أهلها حافية. أنا كنت بتلكك بحكاية الفرن ده عشان أدخل وأخرج براحتي، أفتش في حللها وأعرف داخلها إيه وخارجها إيه. والفرن بتاعي سليم وزي الفل ومفيهوش الهوا، بس أنا كنت عايزاها تتجرجر في رجلي، ويوم ما أمها وقعت قلت هي دي الفرصة اللي مش هتتعوض. ركبت دماغي عشان ترفض، وعرفت أولع النار في دماغه أول ما وصل، قولتله مراتك بتعيرني وبتقولي شحاتة وبتتأمر عليا عشان يتيمة وماليش غيركم، وهو طبعا دمه فار وجري بهدلها زي ما شفتي. يومين اتنين بس والبيت ده هيفضالي، وأنا اللي همسك مصروف البيت الكبير وهي تروح تقعد جنب أمها العيانة تتسول الرضا.
الكلام نزل على راسي زي المية المغلية. حسيت بوداني بتصفر، وقلبي بيدق في قفص صدري كأنه عايز يكسر ضلوعي ويطلع. الفرن مش بايظ؟ كل الرواح والمجي، وكل برام اتعمل، وكل صينية كيكة ولا بشاميل كنت بسيب اللي في إيدي وأقف على حيلي بالساعات عشان أظبطها لها وهي داخلة خارجة تبتسم في وشي، كانت تمثيلية؟ كانت بتختبر صبري وبتخطط عشان تطردني من بيتي اللي بنيته طوبة طوبة مع جوزي بقالي عشرين سنة؟
رجعت لورا خطوتين وضهري ساند على الحيطة، ودموعي نزلت نار بتحرق خدي، بس مش دموع ضعف، دي دموع القهرة اللي بتتحول لجمر. ابني الكبير، يوسف، اللي عنده سبعتاشر سنة، كان جوة في أوضته بيذاكر لثانويته، طلع على صوت نفسي العالي لما دخلت ورزعت باب المطبخ ورايا بالراحة. جه ناحيتي ووشه مخطوف وقال لي مالك يا أمي؟ فيكي إيه وبتعيطي ليه؟ أبويا اتكلم معاكي تاني ولا قالك حاجة تنكد عليكي؟
بصيت في وش ابني، شاب مالي مركزه، طول بعرض، وبدايات رجولة حقيقية باينة في ملامحه. حسيت ساعتها بغبائي لو فكرت للحظة واحدة إني ألم هدومي وأمشي زي ما جوزي طلب، أو أستسلم للشيطانة اللي ساكنة قصادي. لو مشيت، هسيب بيتي لسلفتي تشمت فيا، وهكسر نفس عيالي، وهسيب جوزي يعيش في الوهم اللي هي رسمته له ومصدقه زي الأعمى.
مسحت دموعي بطرحتي وأنا باخد نفس طويل وقولت له مفيش يا يوسف، شوية زعل عشان ستك تعبانة في المستشفى وأبوك متسرع في كلامه، متقلقش يا ابني وادخل انت كمل مذاكرتك، أمك بميت راجل ومفيش حد في الدنيا دي يقدر يلوي دراعي ولا يخرجني من بيتي.
الولد بص لي بتردد، بس حس بالقوة اللي في نبرتي فرجع أوضته وهو مش مقتنع أوي بس مطمن شوية. وأنا قعدت على طرف الكنبة في الصالة، راسي كانت بتغلي بالتفكير. الحلول اللي كنت بفكر فيها زمان تلاشت في ثواني. مفيش حاجة اسمها ألم الموضوع وأتعامل معاها عادي، اللي يلدغك مرة ميبقاش أخوك، واللي يدبر لموتك بالبطيء مينفعش تبتسم في وشه. وأخويا الكبير؟ أخويا راجل حقاني وعاقل، بس لو دخلته دلوقتي والقصة كلها حكاية أكل وفرن وكلام نسوان، جوزي هيركب راسه وهيقول أخوها جاي يفرض نفسه عليا في بيتي، والمسألة هتكبر وهتوصل لطريق مسدود وهيقع الطلاق بجد.
أنا محتاجة الحق يبان قدام الكل، وبالدليل القاطع اللي مخرش المية، مش بكلامي قصاد كلامها، لأن جوزي أعمى بحكاية إنها يتيمة وبنت عمه المتربية وسطهم.
فضلت ليلتها صاحية لحد الفجر، عينيا مفاقتش من التدوير. تاني يوم الصبح، نزلت بهدوء من غير ما أعمل أي صوت على السلم، روحت المستشفى لماما أطمن عليها الأول، لأن رضاها وصحتها فوق كل اعتبار. لقيتها الحمد لله أحسن والدكتور كتب لها على خروج، ارتحت نفسيا وحسيت إن جبل اتشال من على كتافي، وبقيت جاهزة للمعركة اللي مستنياني في بيت العيلة.
رجعت العمارة حوالي الساعة اتنين الضهر، وقت ما بيكون حمايا وحماتي قاعدين تحت، وسلايفي التانيين متجمعين بيجهزوا غدا البيت الكبير، والرجالة بتبدأ ترجع من أشغالها، وجوزي المفروض إنه نايم تحت عند أمه من بعد ما سبني الليلة اللي فاتت.
وأنا طالعة السلم، شميت ريحة طالعة من شقة سلفتي… ريحة صينية فراخ بالبطاطس متسبكة ومحمرة، وطالعة منين؟ من فرن شقتها هي!
وقفت خطوة على السلم وقلبي دق جامد. الباب كان مقفول بس الريحة مفضوحة ومالية الدور كله، وصوت تايمر الفرن بتاعها اللي دايما بيعمل تكة معينة لما بيفصل كان واضح جدا لأي حد مركز. روحت على باب شقتي وفتحته بهدوء، ومفيش نص ساعة إلا ولقيت الباب بيخبط بخفة.
فتحت، لقيتها واقفة قدامي، ولابسة عبايتها البيتي وعلى وشها نفس الابتسامة المسمومة اللي بقت تقرفني، وفي إيدها طبق رز عليه حتة زبدة، وبتقولي بكل برود الدنيا صباح الخير يا أم يوسف، حمد الله على سلامة مامتك يا حبيبتي، متزعليش مني بقى عشان إمبارح، بس أنا والله مكنتش أقصد، والفرن بتاعي مضايقني أوي وواقف حالي، قولت أعمل طبق الرز ده عندك على السريع عشان جوزي جاي من الشغل ومفيش وقت، وأنا عارفة قلبك أبيض ومتهونيش عليا ولا يهون عليكي زعلنا.
بصيت للطبق اللي في إيدها، وبصيت لعينها اللي كانت بتلمع بخبث،

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *